أهم المقالاتإقرأ

خرافة نكاح الأسرى… مقال للدكتور علي منصور كيالي…

مقال للدكتور علي منصور كيالي – منصة أبواب (بتصرف)

د. علي منصور كيالي

ضمن باب معاملة الأسرى يردنا استفسار وتساؤل: هـل يحقّ للمسـلمين في المعارك، أن ينكحوا المشركين كغنيمة؟

يقـولُ تعـالى صـراحـةً ويأمـر بمـا يلي: “فـإذا لـقـيْتُمُ الذيْنَ كـفروا فـضَـرْبَ الرقَـاب، حـتّى إذا أثْـخـنـتموهُـمْ فشـدّوا الـوثـاقَ، فـإمّـا – مَـنّـاً – وإمّـا – فـداءً -) محمد 4.

توضـحُ الآيـةُ الكـريمة، أنّ التّعامُـلَ مع الأسـرى يكونُ في حالتيْن فقـط لا ثالثَ لهُـمـا، وهُـمـا:

_ إمّـا إطـلاقُ سـراحهم من دون أيّ مُـقـابل، وهـذا: “مَـنّــاً”.

_ أوْ أخْـذ الفـدية المـاليّة مُقـابل إطـلاق سـراحهم، وهذا: “فـداءً”.

 _ ولا يجـوز بأيّ حـالٍ منَ الأحـوال قتْـل الأســرى، أو الإســاءة إليـهم بأيّ شكل مـن الأشـكال، فـالآيـة الكريمــة توضـح وبكلّ صــراحةً، أنّ القتــال حتى مع الكـافرين، يكون فقط مـن أجل صـدّ العـدوان، ويكون بـ: إثـخـان العـدوّ أي جعـله في حالة منَ التعـب والإرهـاق، ومن دون قـتلــه، وبعــد إتعــابـه يتـمّ: شــدّ الوثـاق وأسْــره.

_ و نُلاحـظ استخدام كلمـة: “فـضَـرْبَ” بفتح حرف البـاء، و ليْسَ بالضّـمّ ، أيّ: عـدمَ القـتل، ولـكن جعْـل العـدوّ في حالةٍ مـنَ الإنهاك والتعب كي يتمّ أسْـره فقط.

وبعـد الأســر، يكون التّعـامل في الحالتين اللّتان حدّدتهُمـا الآية الكـريمة فقـط،

 _أيْ: إطــلاق سـراحه من دون مُقـابل، أو: أخْـذ الفـدية المـاليّة.

“ومَـنْ – أظْــلَــمُ – مـمّـنْ ذُكّــرَ بـآيـاتِ ربّــهِ، فـأعْـرَضَ عـنـهـا، … إنّـا جَـعَــلْـنـا على قُـلوبـِهِـم أكــنّةً أنْ يـفْـقـهُـوهُ وفي آذانـهـمْ وَقْــراً، وإنْ تَـدْعُـهُـمْ إلى الـهُـدى، فَـلـنْ يَـهْـتدوا إذاً أبَــداً” الكـهف 57

_ “إنّ في ذَلـكَ لآيَــةً لـقَـوْمٍ – يعْـقــلونَ” النحل 67.

الـمَـجَـاز الـمُـرسـَل:

للمـرّة الأولى في اللغـة العـربيّة، استخدمَ القُـرآن الكريم “المَـجـاز المُـرسَل”، وقـد اسـتخدمـه بشـكْلٍ واســع، فـمـا هـو المـجـاز المُـرسَـل.

هـو: اسـتـخـدام الكـلمة في غـير مـعنـاهـا الأصـليّ، أيْ: إظهـار المعـقـول في صـورة المحـسـوس، من أجْـل تلطـيف الكـلام وزيـادة الإيضـاح، والمبـالغـة في بيـان العبـارة على الإيجـاز، ومنَ الأمثـلـة الكثـيرة عن المجاز المُرْسل، قولـه تعـالى: “واشـتـعلَ الـرّأسُ شـيـباً” مريم 4، “واخفـضْ لهـمـا جـناح الـذّلّ” الإسراء 24 .

وقـد أقـرّ عُلمـاء اللغـة بـأنّ: “المَـجـاز أبْلـغُ مـنَ الحقيقــة”.

هـذا كتـابُ اللـه يـدعو مُـعْـلِـناً: إنّ الكـلامَ: حقيقـةٌ ومَـجـازُ.

“فَـضَـرْبَ الـرّقـاب” محمد 4:

إنّ عبـارة: “فَـضَـرْبَ الـرّقـاب”، هي منَ المَـجـاز المُـرسـل، وهي تُـشـبه قوله تعالى: “كذلك – يضْـربُ – الله الحقّ و الباطل … كذلك – يضـربُ – الله الأمثال” الرعد 17، و قولـه: “- فَــضَــربْنـا – على آذانهـمْ” الكهف 11، و إلى الذين احتـجّـوا على المقالة أقول لهُـم هـذه الآية: “مَـا – ضَـربوه – لكَ إلاّ جـدلاً، بلْ هُم قومٌ خصِـمون” الزخرف 58 .

لـذلك فـإنّ عبـارة: “ضَـرْبَ الـرقـاب” لا تعني: “قـطـع رؤوس الـنّاس”، وسـنأخُذُ الدّليلَ القـاطـع من رسول الله صلى اللـه عليه وسـلّم، فهل تقـبـلون؟!!

“لقـدْ كـانَ لكـمْ في رسـول اللـه اُسـوةٌ حسَـنة، لـمَنْ كانَ يـرجو اللـه واليوم الآخر” الأحـزاب 21، فكـلّ مَـنْ كـانَ يـرجـو الله واليوم الآخـر، عليـه أخْـذ هـذه السُــنّة منَ اللـه ورسـوله الكريم، قبل أنْ تكون السُـنّة هي فقـط بتقليد المظهر، ودخول دورة المياه بالرجل اليُسـرى.

لقـد قـاد الرّسول الكريم صلى الله عليـه وسـلّم، قـاد مبـاشـرةً، 28 معـركـةً، وكـانَ أقْـربَ المـؤمنين إلى العـدوّ الكـافر، فلو فهـمَ الرّسول عـبارة: “فـضَـرْبَ الـرّقاب” على أنهـا تعني: “قطـع رؤوس العبـاد”، لكـان قـد قطـع آلاف الرّؤوس في معاركه، خـاصّةً وأنّـه كـان بطـلَ الأبطـال، وأشـجع الشُّـجـعان، وكان الأقـربُ إلى العـدو الكـافر من جميع الذين يُقـاتلون معـه.

لكنّـه صلى الله عليه وسلّم، لـمْ يقطـع رأس أيّ عـدوّ كـافر على الإطـلاق، فهل لـمْ يفهـم معنـى الآيـة الكريمة: “فـضَـرْبَ الرّقـاب”، ولـم يُطبّقـهـا في معاركـه الكثيرة، أمْ نحنُ أفْـهـمَ من رسول الله؟!!!!!!

“ومَـنْ أحْـسَـنُ منَ اللـه حُـكـمـاً” المائدة 50.

أمّـا: حُـكـمُ اللـه في الأسـرى – الكـافـرين -، حتى الـذين كانوا يُحـاربون الله ورسوله بالسـّيف، ويُريـدون قتل رسـوله الكريم، فـالحُـكـمُ في هـذه الآيـة الكـريمة: “يـا أيّهـا النّبـيّ قُـلْ لمَـنْ في أيـديكم منَ الأسـرى: “إنْ يعلـم اللـه في قلوبكـم خـيراً، يؤتكـم خـيراً مِـمّـا اُخِـذَ منكُـمْ – و يغـفـرْ لكُـمْ – والله غفورٌ رحيم” الأنفال 70 .

فهل نقبلُ حُـكـمَ اللـه، ونقبل سُـنّة رسوله الكريم؟

ولكـنّ المشـكلةُ هيَ:

“وإذا ذُكِـرَ اللـه – وحْـده – اشـمـأزّتْ قـلوبُ الـذين لا يؤمـنون بالآخـرة، وإذا ذُكِــرَ الـذين – منْ دونـه – إذا هُـم يسـتبّشـرون” الزمر 45 .

كــل هــذا واللـه أعلـم.

أتمنى لكم كلّ المتعــة والفائـدة العلميّــة والثقــافيّة، وبارك الله بكم وعليكم وكلّ الشّكر الجزيل لمتابعتكم، وســلِمتْ أياديكم البيضــاء لتعليقاتكم الكريمة التي تـدلّ على ذوقـكم وكَـرَم أخــلاقكم، ورزقكم اللـه جنّــات النّعيم وجعلكم عباده المقـرّبـين، وتفـضّلوا بقبـول فـائق الـتّقدير والاحـترام، وصلى الله وسلم على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين .

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى