أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأ

لعنةُ الطعن .. حسناوات يرفضن الزواج فيقتلن !

سنا محمد

“هذه الحربُ امتحان لإنسانيّتنا”، كان هذا الاقتباس، للكاتب حسن سامي يوسف، هو أوّل ما توارد لذهني، عندما قرأتُ الخبر: “مقتلُ شابةٍ سوريّةٍ بخمس عشرة طعنة في الأردن”، ولأنّني شديدة التّخيّل بقي مشهد الفتاة ذات السّبعة أعوام بعد العشرين، تُطعن، وتتألّم، أمام عيون وحشٍ بشريٍّ يتلذّذ بفقدان إنسانيّته، ويزيدُ الطّعنات، ويدميها!

لم يستوعب عقلي الصّغير، كيف اغتصبَ حياتها بهذه الطّريقة، متذرّعاً برفضها الزّواج منهُ، حرّكتُ رأسي يميناً شمالاً، لطرد الصّورةِ من مخيّلتي، وإذ يأتيني النّبأ الثّاني: “مقتل شابّةٍ سوريّة بطعناتٍ في الظّهر والصّدر في تركيا”، فتاةُ تبلغ من العمر اثنين وعشرين ربيعاً، قُتلت بدمٍ بارد بسبب رفضها للزّواج أيضاً!

القاتلُ ليس واحداً على الرّغم من تشابِه الأساليب، والذّرائعِ الواهية، فالجريمتان وقعتا في بلدين مختلفين، وبأسبوعٍ واحدٍ، لكن المُكرّر في الخبرين هو الجنسيّة السّوريّة، أيّةُ لعنةٍ لَحقت بأبناء هذه البلاد.

واااه معتصماه

عادت بي الذّاكرة فوراً للعام ٢٠١١، عشرة أعوام مرّت، خرابٌ حروبٌ أزماتٌ كوارثٌ، دمارٌ وآلامٌ لم تنتهِ، وأهلُ هذه البلاد يجثون على الرّكب، طعناتٌ من كلِّ حدبٍ وصوب، تدميهم، وعلى الرّغم من كلّ ذلك يصرّون على النّجاح في امتحان إنسانيّتهم، توحّدت في مخيلتي صورة الفتاتين مع بلادي المنكوبة، وكأنّ أجسادهنَّ الغضّة هي روح هذه البلاد المُنهكة، ومتى؟ وأين؟ أُزهقت في بلادٍ بعيدةٍ ذهبوا إليها هرباً من شبح الموتِ، الذي لفح البلاد، وفي شهر الميلاد، ميلاد السّيّد المسيح، رسول المحبّة والسّلام، وفي موسم الأعياد التّي تُطهر الرّوح من الخبث، وتدعو لولادةِ الحبِّ، والرّحمة، قُتلوا وبأشنع الطّرق، يا لوحشيّة ما حدث!

الجريمتان جريمتا حُبٍّ غير متبادل، حسبما قيل، وإنّ كان الحُبُّ أبرأُ من أن تدنّسه عقليّاتٌ كهذه، لكنّهما جريمتا حربٍ بالمعنى الأدّق، والأداةُ واحدة هي السّكين.

السّكين قَتلتْ “مريم محمد”، بعد رفضها الزّواج منهُ مرّتين، حيث أنّها كانت قد قدّمت بلاغ تهديدٍ سابقٍ للسّلطات الأردنيّة، بحقِّ الجاني، وهو صاحبُ أسبقيات! هي ذاتها قتلت “سيلفا الهنيدي” في تركيا، بعد رفضها للزّواج من شابٍّ سوريٍّ، فطعنها حتّى الموت.

الطعنُ حتى الموت، “ماذا زرعنا لنحصد كلَّ هذا الخراب؟”.

هذا الاقتباس أيضاً للكاتب حسن يوسف، وكأنّه يعرف تماماً كيفَ يصّف آلامنا.

كيف لنفسٍ إنسانيّةٍ أن تطْعنَ بهذا الشّكل؟ كيف لقلبٍ وعقلٍ أن يُقدما على فعل القتلِ؟ أيُّ دوافع تلكَ التّي تكمنُ خلف هذه الوحشيّة البشريّة.

واااه معتصماه مريم وسيلفا

الثابتُ في الرّوايتين هو” الرّفض”، رفضُ الفتاتين للزّواج، رفضهنَّ الذي أعمى القاتلين، وأظهر النقصَ الذي حمّلهما دافعاً أكبر لهذا الفعل، فغيبا عقليهما عن تقبّل رفضٍ من فتاةٍ، وأسكتا القلبَ بالطعن.

طعناتٌ لا تُفهم منابتها النّفسيّة، فلا عُرفَ ولا دينَ ولا معتقد يُحللُ القتل، فكيف إن كان بهذه الطّريقةِ ولهذا السّبب!

“مريم وسيلفا”، نموذجان لفتياتٍ وشبّان يخوضون حروباً يوميّةً في الغربة، حروبٌ تفوقُ الأوصافَ وتعابير اللُغة، يهربون من ظلالهم التّي دكنتّها الحرب، ويحاولون النّهوض بعيداً علَّهم يجدون ألواناً هناك، تجعل أطيافهم ترقصُ، تُعيدهم أبناء العشرين فعلاً، فقد كَبروا على عجلٍ، كبروا مرغمين، ولم يستيقظوا إلّا وقد كَبروا قبل أوانهم، من دون أن تستأذنهم حقوقُ الحياةِ والإنسان بأن يكبروا، وعندما رغبوا العودة لشبابهم بعيداً طُعنوا.

معَ شهقاتهم دُقّت أجراس الميلاد معلنةً أنّ الامتحان انتهى، وبأنّ الحرب مستمرةٌ، وبأنّنا قد خسرنا إنسانيّتنا، وفشلنا في الامتحان.

واااه معتصماه

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى