أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأاخبار فنية عامةسلايد اخبار فنيةمقالات عشوائية

هل حقّاً ماتَ حاتم علي؟!

 سماح الحمادي

“لا تسلْ عن سلامته

روحهُ فوقَ راحته

بدلتهُ همومهُ كفناً من وسادته …

من قال إنّ هذه المقدّمة الدّراميّة، التي عاشت في وجداننا، ستسير في جنازتك؟! من قال إنّ الصّرخات جميعها ستعلو أنغاماً أنت اخترتها بنفسك في يوم وداعكِ الأخير؟!

من قال إنّك ستسطّرُ وداعك من على الكفوف محمولاً من المطار الأحبّ للقلب، في ليلةٍ لم ينامها السّوريون حفاوةً باستقبال مبدعهم، حيث عاد إلى الأبد، عاد لمرقده الأخير ليأخذ في باب الصّغير الدّمشقي.

“نامي إذاً يا روحُ نامي الآن

هي آخر الأحلامِ نُطلقها على عجلٍ ونمضي

هي آخر الأيّام نطويها على عجلٍ ونرحلُ بسلام …”

هل حقّاً ماتَ حاتم علي؟!

ضَجّت وسائل الإعلام العربيّة، في التّاسع والعشرين من شهر كانون الأوّل/ديسمبر في العام ألفين وعشرين، بخبر رحيل عميد الإخراج العربي الكبير حاتم علي عن ثمانية وخمسين عاماً في العاصمةُ المصريّة القاهرة إثر نوبةٍ قلبيّة حادّة.

حاتم ابن مدينة الجولان السّوري المحتلّ، الشّاب الذي أمضى سنواتٍ من حياتهِ نازحاً في مخيم اليرموك في دمشّق، الأمر الذي عزّز داخله انعكاساتٍ رسمت ملامح ملحمةٌ دراميّة عن الشّتات والنّزوح سطّرتها لغته الإخراجيّة، وعاطفتهُ الجياشة في التّعبير، ونقلت تجربة الغربةُ عن الوطن عبر الملحمةُ “التغريبةُ الفلسطينيّة”، العمل الذي أخذ مكانةً كبيرة في قلوب العرب منذ بثّه أوّل مرّة.

تخرّج حاتم علي من المعهد العالي للفنون المسرحيّة في دمشق، ورسم طريقهُ بصعوبةٍ كبيرة، حيث بدأ كاتباً للنّصوص الدّراميّة، والقصص القصيرة، بعدها عمل في التّمثيل، واستمر في الكتابة إلى أن دخل ميادين الإخراج، والإنتاج، رائداً في سنوات حياته الأخيرة.

بدأ “حاتم” مسيرته ممثّلاً في مسلسل “دائرة النّار” في العام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين، تحت إدارة المخرج هيثم حقي، ثم توالت تجربة التّمثيل عبر شخصيّاتٍ متنوّعة.

توجّه “حاتم” منتصف التّسعينات لرحلة الإخراج، حيث قدّم عدداً كبيراً من الأفلام التّلفزيونيّة الرّوائيّة الطّويلة، وثلاثيّات وسباعيّات تلفزيونيّة، وفي مرحلة لاحقة قدّم عدداً من الأعمال الاجتماعيّة والتّاريخيّة أهمّها: مسلسل “الزّير سالم”، الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرته الإخراجيّة، ثمّ توجّهت الأنظار إليه بعد أن تُوّج نجاحهُ بالرّباعيّة الأندلسيّة الشّهيرة، ومسلسل “صلاح الدّين الأيوبي”، الذي تُرجم لأكثر من لغة.

هل حقّاً ماتَ حاتم علي؟!

أخرج “حاتم” مسلسل “أحلام كبيرة”، العمل الدّمشقي الممزوج بالواقعيّة والأسى، حيث الحياة كما هي من بيوتنا، ومن منّا لا يذكر حكاية “الفصول الأربعة”، وحكاية “قلم حُمرة”، وملحمة “أوركيديا”، وجمال “الغفران”، وعبقريّة “الملك فاروق”، ورصانة “عصيّ الدّمع”، وكوميديا “عائلتي وأنا”، وفخامة مسلسل “عمر”.

كيف نتجاوز عبقريّته، التي أزهرت في مصر أيضاً؟! فأخرج “حجر جهنم”، ومسلسل “وكأنه مبارح”، ومسلسل “أهو ده اللي صار”، حيث برز حاتم علي مدّرسةً خاصّةً في الإخراج، مدّرسةً لكلّ من يريد احتراف المهنة.

كان “حاتم” هادئ وخجول لدرجة مثيرةٍ للاهتمام، كان مواظباً على تفاصيل عمله، شديد الارتباك مخافة ألا يظهر العمل بالصّورة المأمولة، عصبيّاً بلحظاتٍ لا يلقى فيها من الممثل حالته الأفضل، محبّاً للفنّ وللفنانين، ووفيّاً أبداً.

عاش حاتم علي سنوات حياته الأخيرة بين القاهرة وكندا، وكذلك عائلته، وساهم بفيلم “السلام عبر الشوكولاتة” في كندا بنقل تجربة عائلة سوريّة مهجّرة نجحت هناك، مشاركاً بدورٍ تمثيلي شكّل خاتمةً لمسيرته.

كان حاتم علي يُشكّل جزءً لا يتجزأ من عراقة سورية، بل صنع المفارقات، هو الذي لم يطيق الغربة فعاد دمشق ولمَّ شملَ الجميع حوله، في يومِ وداعه الأخير، الذي كان من أصعب الأيّام على السّوريين والعرب جميعاً.

هل حقّاً ماتَ حاتم علي؟!

تحدّثت عن “حاتم” وسائل الإعلام، وأصبحت في يومه ساحاتٍ للرّثاء، حيثُ شكّل فقدانه صدمةً للجميع، وخوفاً من نهاية حقبةٍ إبداعيّةٍ تخصّنا جميعاً.

عاد حاتم علي لسورية التي يحبّ، مبتهجاً بحفاوة الاستقبال، حزيناً على دموعهم التي ذُرفت لأجله، عاد ومعه كمّاً من الأصدقاء والمحبّين والغرباء أيضاً، عاد ليقول لنا نحن من هنا، ولهنا سنعود ما ابتعدنا.

هنا أصالتنا هنا طيب ثرانا.

هنا سأبقى أنثر من سريرِ إقامتي في “الباب الصّغير” نصوصاً دراميّةً، وخواطر فنّيّة، ولربّما سأنتج أعمالاً، وسأُخرجُ أخرى لأتركها على باب مبدعين قادمين، ينادون ليلاً: دمشق كيف سنبدأ؟!

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى