أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأ

نفاد الصّبر مصيرنا!

د. فاطمة أحمد

لا ننكر أبداً أنّنا أمام عصرٍ سريعٍ، يحمل معه تطوّراً كبيراً على الأصعدة والميادين كافّة، ولاسيّما التّقني، ولكنّ هذا التّطوّر قد بلغ ذروته لدرجة أنّه يكاد يجتاح بنا، ويعصف بصبرنا، أيضاً نحن الذين ننتمي إلى هذا الجيل الجديد! ويكفي مثلاً أن تكون في حوارٍ محتدمٍ مع صديق لك محاولاً إقناعه بالحجّة والبرهان ما أنت مقتنع به من خلال الاستعانة بالشّابكة، ليس هذا فقط، بل ربّما لا تملك صبراً في قضاء عدّة ساعات لقراءة كتاب إلكترونيٍّ مفيد أو مشاهدة فيلم سينمائيّ جميل، وتكتفي فقط بمتابعة المنشورات والـ”بوستات” عنه، من خلال مواقع التّواصل الاجتماعي لتكوّن رأياً شاملاً عنه، ولربّما تلجأ فقط إلى قراءة التقييمات عنه في الشّابكة، والحكم مباشرة عليه.

الطّامة الكبرى: ادّعاء الفهم من غير فهم!

يشير المؤلّف والمحاضر البريطاني الشّهير “سيمون سينك” في إحدى محاضراته إلى أنّ إحدى نتائج اندماج التّكنولوجيا في حياتنا هي: إصابتنا بآفة نفاد الصّبر.

نعم! والسّبب يعود في ذلك إلى أنّنا نحيا حياة سريعة جدّاً، تقوم على الإشباع الفوري لمتطلّباتنا من غير بذل أيّ جهد، كما تسمح لنا الوصول إلى مصادر المعلومات بشكلٍ أسرع ممّا كنّا نتخيّل.

وهذه الحياة السّريعة تكاد تأكل أرواحنا، وقد تشعرنا بعدم الرّضا والملل السّريع، لعدم قدرتنا على مواكبتها، فنظلّ في حالة استياء لتخلّفنا عنها.

نفاد الصّبر مصيرنا!

وفي المحصّلة لقد أصبحت المتع مؤقتّة لا تتطلّب الانتظار، والأسوأ أنّها تبني مجتمعاتٍ لا تتحلّى بالصّبر. وربّما الكارثة الحقيقيّة في أنّه بإمكانك الحصول على ما تشاء من كلّ متع الحياة فوريّاً، وهذا ما قد ينعكس سلباً عليك في عدم قدرتك على بناء حالة استقرار وتوازن في شخصيّتك، إذ سيؤثّر، بلا شكٍّ، على علاقاتك، الاجتماعيّة عامّة والمهنيّة خاصّة، التي تتطلّب منك الكثير من الصّبر والوقت لبناء الحكمة في خبراتك وتجاربك.

إذاً كيف يمكننا أن نقنع أنفسنا، ونقنع طلّابنا، ومن سيأتي بعدنا، ممّن ينتمي إلى هذا العصر السّريع أن يتبّع برنامجاً لمدّة عامين مثلاً لتعلّم أمرٍ ما؟! سيأتيك غاضباً بعد الأسبوع الأوّل بأنّه لم يتعلّم شيئاً، وأنّه يضيّع وقته.

كيف ستقنعه بالصّبر وأنّ تراكم الخبرات العمليّة ستعطيه نتيجةً بعد سنواتٍ من نضجٍ وفهمٍ ودرايةٍ، وهو يؤمن أنّه يجب أن يحصل على مرتّبٍ خياليٍّ بعد عدّة أشهر، وأنّه يجب أن يصبح مديراً خلال ستّة أشهر، ويبدأ عمله الخاصّ بعد أقلّ من سنة! تراه يطمح إلى كلّ ذلك بسبب قدرته السّريعة على جلب جميع المعلومات من خلال عدّة نقرات في الشّابكة، فتجده يمشي بنفسه متكبّراً مفتخراً بما عنده من علمٍ سريعٍ جاهزٍ وغير مكتمل، ناسياً تماماً أهمّية التّجربة وعمقها التي صنعت علماءً ومفكّرين في الماضي كانوا يسافرون من بلدٍ إلى بلدٍ آخر لأجل العلم أو يجلسون عشرات السّاعات في العمل مجّاناً ومن غير أيّ مقابلٍ مادّيٍّ من أجل امتلاك الخبرة واكتساب المزيد من المعرفة.

ستكون المحصّلة إذاً بعد نفاد كلّ هذا الصّبر ازدياداً في عدد الخيبات، واستسلاماً أسرع،  واستياءً أكثر نتيجة ادّعاء المعرفة في وقتنا الحاضر.

نفاد الصّبر مصيرنا!

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
1 تعليق
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض كل التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى