أهم المقالاتإقرأالمقالات عامةبقلم رئيس التحرير

ما بالنا نزداد مرضاً وموتاً في صفحاتنا الشّخصيّة الزّرقاء؟

“كما تفكّرون تصبحون”…

مقبرة

رئيس التحرير: عامر فؤاد عامر

أصبحنا على علاقةٍ قويّة مع صفحاتنا الشخصيّة في مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيّما “فيسبوك”، ففي كلّ يوم لا بدّ للغالبيّة منا أن يزور صفحته، وقد ينشر ما تيسر له من منشورٍ أو أكثر خلال الـ24 ساعة، ويعلّق على منشورات الآخرين من أصدقاء حقيقيين أو افتراضيين، وتسير الأمور على ما يرام، لكن تبدأ الصدّمة بعد رؤية عددٍ من المنشورات التي تزيدنا إحباطاً وألماً، وقد تتراكم وراء بعضها البعض لدرجة أنك ترتعب في لحظات التصفّح وتقول لنفسك: هل أنا في زيارة للمقبرة؟!

نعم بات الغالبيّة اليوم يشاركوننا أحزان فقدانهم العزيز والغالي في منشوراتهم، ويبدو أننا نشعر بالتقصير أحياناً في حال مررنا على المنشور ولم نعلّق “لروحه أو روحها السلام”، ولكن في أحيانٍ أخرى نتنهد ونتعب، مع هذا العدد الكبير، فالجائحة وبطل المواسم كوفيد 19 بات ينافس الجميع في صرعه للأعزاء، فتتراكم أوراق الموت، وتتقافز أمام أعيننا، وتتسارع حالة “شحذ اللياكات”، والأبلغ من ذلك أننا نجد الأصدقاء يشاركوننا سنويّة الغاليين ممن فقدوا، وقد تكون السنويّة رقم عشرين أو ربما ثلاثين، وتتهافت الرّحمات والدعاءات، وما إلى هنالك من فنون الردّ والتوصيف بأننا محرجون من هذا الموت الذي رغماً عنا قد خطف روح فلان منذ عشرين وثلاثين سنة.

العدوى انتقلت إلى صفحات “إنستجرام”، الموقع المتخصّص والمرتبط بالصّورة أكثر من الكلمة، لكننا محرجون إذّ لا يجوز أن نكتفي فقط بصفحات “فيسبوك”، “ولو”! سيعتب علينا العزيز “إنستجرام”، حتى وإن كانت صورة باهتة وقديمة لزوج خالته مثلاً، لكن يشفع لنا أنه راحل، والأصدقاء يودّون أن يشاركوننا همّهم، وهذا متاح، ولا مناص من المُتاح، فلماذا يجوز فقط أن تكون التّعليقات على صورنا الحالية، بل من المفروض أن تكون على صور الرّاحلين أيضاً، وهكذا في باقي مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن الحمدالله قد ينجو موقع “يوتيوب” أو “لينكد إن” من هذه الطّقوس الجنائزيّة، فالأخيران من الصعب أن نطمسهما باللون الأسود، لأن ذلك سينفّر النّاس من متابعة الشّريط المصوّر، أو أصحاب الشّؤون العمليّة والمهنيّة في “اللينكد إن”.

بمقارنة سريعة بين منشور مفرح ومنشور غير مفرح، سنجد انغماس النّاس في النّوع الثّاني من المنشورات، وبمستوى أعلى من حيث العدد المشارك في التعليقات والردود، إذّ يبدو أننا نفسيّاً وسيكولوجيّاً مؤهلين أكثر لأن نكون حزانى، فـ”وامعتصماه” ما زالت في الجينات، والنّدب اختصاصنا، ويبدو أن الشّعار الرّسمي لمستخدمي الفيسبوك وغيره من مواقع التّواصل الاجتماعي، قد أصبح يا “حبيبي بالبنط العريض”: “من منشوراتهم تعرفونهم”، بل موضة المعاناة تتجدّد في صور الاستلقاء على السرير في المشفى، واستجرار عاطفة الأصدقاء، و”الحمدالله عالسلامة”، ناهيك عن توثيق لحظة أخذ البعض للقاح كورونا في ساعد اليد، ونحمده تعالى أن اللقاح يؤخذ في عضلة اليد وليس في مكانٍ آخر “عدم المؤاخذة”.

ما بالنا نزداد مرضاً وموتاً على صفحاتنا، فهل أنتم أكثر متعة بتلقي التّعازي مثلاً؟! وهل أنتم أكثر قوّة في الحضور إذا ذكّرتمونا بموت الحبيب والغالي؟! لكن الغالي والثمين يجب أن يكون في دواخلكم وليس في الثّرثرة، مع كامل الاحترام، وهل تتساوى منشورات الموتى مع منشورات صور “سيلفي”، ووجبات الطعام، وغيرها من المنشورات اليوميّة، التي لا هدف منها، سوى المنافسة في الثرثرة، والبحث عن اللا شيء، والتّشتت.

أسئلة مفتوحة؛ لا بدّ لنا من التفكير فيها قدر ما نشاء، ولنفكر جميعنا معاً، الوقت مهمّ جداً لننقذ أنفسنا من هدره، و”إن لم تقطعه قطعك”، فلا مشكلة من تناول موضوع مهم، ومطالعته، سواء من الصّفحات العامّة أو المواقع أو المدوّنات، التي تُعنى بشؤون تمرّ يوميّاً أمامنا ونحنا لا نعرف منها إلا الجزء اليسير أو لا نعرف، ولن نقول العودة إلى الكتاب كي لا تتثاقل وجوه البعض، ولكن هدر الوقت المستمر، والابتعاد عن الفرح هو صفتان مستمرّتان على صفحات تواصلنا أيّها الأصدقاء، فما الذي يجري؟

سأختم بجملة مهمّة في أبعادها، قالها الحكماء في زمانٍ مضى، وهي “كما تفكرون تصبحون”، فإن كان مستوى تفكيرنا خاضعاً لاستجرار العواطف، لهو مؤشر، بصورة أو بأخرى، لاستدعاء المرض والموت ليكون نصيب من يوميّاتنا، ويتوجّب فتح الأعين بمساحة أوسع من مساحة صفحة الموبايل الذي يشاركنا يومنا بقوّة وسيطرة.

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
8 تعليق
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض كل التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى