أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامة

مظفر النواب والألم

نور قاسم مطر

عندما رأيت خبر وفاة الشّاعر الأممي الكبير مظفّر النّوّاب تراكضت إلى سمعي كلماته، صوته المُترع بالوجع وجع الشّعوب العربيّة وهو يقول:

القدس عروس عروبتكم …

ترى هل حروفه الآن تفتقده أم أنّها في حالة حداد وصمت؟

وتتلاحق الصّيحات ويتعالى الهُتاف …

أيّ شاعر هذا الذي تتفاعل معه الجماهير إلى هذا الحدّ؟

كثير من الأسئلة وعبارات الإعجاب تلحق اسمه، وكثير من الحبّ يحوطه، أرقب حروفه لأُيقنَ أنّه الشّاعر الأحبّ والأقرب إلى ذاكرة الملايين، كيف لا؟ وهو الذي بدأ من النّاس، والتصق بهم وبهمومهم، فأخذ قلمه يخطّ أجمل أشعار الأدب الشّعبي بلهجة عراقيّة محبّبة، وذاعت قصائده بحَنجرة الياس خضر وفاضل عوّاد وسعدون الجابر، فكان بذلك قريباً من النّاس، فكسرت كلماته حاجز النّخبويّة، وسرت شجونه على الألسنة.

مظفّر النّوّاب والألم

رحل شاعرنا شاعر الوطن والقوميّة، شاعر الحبّ الغزِل، قال ما لا يجرؤ النّاس على قوله، فصوته الصّارخ الصّريح في كلّ حارة وفي كلّ بيت، أخذ صوراً لواقعنا المرّ من كلّ الزّوايا، تسمع في قصائده كثيراً من الآهات وكمًّا من الجرأة، مما جعله يُعرّض حياته للخطر ويعانق جرذان السّجن، فغادر العراق وتنقّل بين الأقطار العربيّة وكثير من البلدان الغربيّة، طاف المشرق والمغرب، فازدادت المِرار مَراراً، فترى الكلمات تترى بحروفه بكلّ ما فيها من معاني، تحترق في صدره في روحه، تكاد تخنقه، فتلفظها حركاته وسكناته مع حروفه، كتلة من اللّهب تصنع حروفاً ملتهبة، تنتقل بين النّاس، وتندلع الآه في حضرة الألم، وكأنّ ألم كلّ النّاس تجمّع في صدره لتصدح منه قصيدة الإبداع السّاخرة المُهرّبة، فقد كُتب على قصيدته أن تترعرع في تهريبة مخفيّة ليسمعها الناس في أصقاع الأرض!

مظفّر النّوّاب شاعر المنفى والاغتراب والحقائب

أمضى عمره غريباً بعيداً عن أمّه عن العراق، فكيف تكون القصيدة من شاعر محبّ، أفنى عمره ليقول كلمة رآها حقاً وحقيقة؟ ولأنّه منفي مُغَرَّب وصف قصائده بالأغاني، فالأغنية تلتصق بالنّاس وتعيش معهم، ولأن قصائده قصائد وطن مغتصب وأمنية غافية على نهر، سيقتلون المغنّي وستبقى الأغنية، وتبقى القصيدة حرفاً مُلتصقاً بالأدب الصّارخ.

مظفّر النّوّاب والألم

سلام عليكن أرصفة اللّيل

سلام على العربات التي احتملتني

أنام بها ساعة في أمان

سلام …

فإنّ الكلاب تحيط بقلبي

سادتي، سيّداتي

انتهت آخر الأغنيات التي يمكن

الآن إنشادها

ربّما يقتلون المغنّي

ويخفون آثاره

ربما سيُذَوَّب أو يختفي

مثلما يحصل الآن في كلّ يوم

ولكنّها الأغنيات

ستبقى تذوّبهم أبد الآبدين …

لا يحبّ أنصاف الحلول، ولا يحب الذّل، أبيّ عصيّ عاش، وحروفه ستعيش أبد الدّهر، فهذا الشّاعر الذي خلّده حبّه للإبداع والحياة ورفضه للذّل، وفي قصيدته ثلاث أمنيات تتجلّى رغبته في الأمنية الثّالثة فيناجي العراق ويرجو أن يعود شامخاً عزيزاً لا بقوّة ومال ولا بجاه وسياسة، بل بالحبّ وحده.

أي إلهي إن لي أمنية ثالثة

أن يرجع اللّحن عراقيّاً

وإن كان حزيناً

ولقد شطّ المذاق

يا إلهي رغبة أخرى إذا وافقت

أن تغفر لي أمّي

والشّجرات التي لم أسقها منذ سنين

وثيابي

فقد غيّرتها أمس بثوب دون أزرار حزين

صارت الأزرار تختفي

ولذا حذّرت منها العاشقين

لا يقاس الحبّ بالأزرار

بل بالكشف إلّا في حساب الخائفين…

مظفّر النّوّاب والألم

وكانت دمشق المحطّة التي وقف فيها كثيراً، ولها من الحبّ حظوة، فقد كانت الأخيرة قبل الرّجوع إلى بغداد، أربعون سنة امتد عمر البعد! الشّام احتضنته، هدّهدته، أغفى على صدرها، وداعبت أوتار قلبه، وهدّأت من روعه، فدمشق مسكن العشاق، يرى فيها كثيراً من السّلوان وكأنّها قاسمته العناء.

كأن زهرة لوز في تفتّحها 

تمجّ في قبضتي بالعنبر النّفح

دمشق عدت وقلبي كلّه قرح

وأين كان غريب غير ذي قرح؟

يا جنّة مرّ فيها اللّيل ذات ضحى

لعلّ فيها نواسياً على قدحي

فحار زيتونها ما بين خضرته

وخضرة اللّيل والكاسات والملح …

فكيف لزهرة اللّوز أن تودعه؟ غادر دمشق ليعانق محبوبته العراق، فخاطبها وكأنّه لم يفترق عنها لحظة واحدة.

صحيح لقد غبت دهراً

ولكنّني أعرف النّاس

الاسم والعمر والتّمر والنّهر

أعرف أعمدة الكهرباء

كما عارياً قد ولدت على دجلة الخير

ليت أنّي أُسجّى على مائه عارياً باحتضاري

ويأخذني أينما يشاء

لأنّني أممي

لكنّني أممي بحبّ الوطن …

مظفّر النّوّاب والألم

خطّت نوائب الدّهر على وجهه النّوّابي وعلى روحه الظّافرة بالحبّ الطّافرة بالوجع، لكنّ أغانيه تُتلى في أصقاع الأرض، قال كلمته ومشى، شاعر القضايا الوطنيّة والقوميّة والاجتماعيّة والسّياسيّة الذي لم يردعه خوف على حياة أو طمع في مال أو حبّ للوصول.

كم سننتظر من السّنين ليتشكّل شاعر من آلام الأمّة بوزن مظفّر النّوّاب وجرئته وقوّة كلمته وفصاحة لسانه؟

من ذا الذي سيأتي بصور الواقع بفظاعتها ليزجَّ بها في عيوننا، لا يداري ولا يواري، بل كان واضحاً كالشّمس يختار بقع الظّلام الدّامس ليسلّط عليها ضوءه بنور شعره.

في الحرف خلود لا يموت.

والنّوّابي ظفر بنفسه وسما بشعره، ونحن سجنّا أنفسنا في قواقع الجهل والخوف…

فهل مات مظفّر النّوّاب حقًا أم أنه عاش في حروف قصائده فخلده الشّعر وخلد فيه؟!

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى