أحدث المقالاتمواهب واعدة

مشاهد … فوق وتحت الجسر … كلّ أشكال الحياة والحرب …

رنيم خلوف

هنا دمشق

وسط دمشق مئات الأمتار فوق الجسر وتحته، تختصر حياة العاصمة المتناقضة، وكلٌّ على همّهِ يسير، تطرق أكتاف العابرين/ات ببعضها البعض، وربما تطرق أياديهم في مناطق حسّاسة من دون أن يعتبرون/ ن، أن هذا الموضوع تحرّش إلا فيما ندرَ، ومن دون اعتذار، لأن عراك الحياة في بلاد كلّ الحروب وتحرشها الدّائم باللاهثين/ات وراء سرفيس أبيض عابر لحيٍّ من شمال البلاد إلى جنوبها، أقسى أنواع  التّحرش بحبّ، فصبر فوز من حصل على زاوية في مقعد سرفيس تسند/يسند نصف فخذه/ها على تلك الزّاوية الحادّة هو أقسى أنواع اغتصاب الصّبر كلّ نهار من طلوع فجر الشّام إلى غياب شمسها، المشهد النّادر فوق الجسر وتحته أن تركب معزّزاً مكرّكماً في مقعدٍ مريحٍ من دون زاوية حادّة أو ركضٍ أو من دون أن تسقط يدها/ه على منطقة حسّاسة عند سباق أخٍ مواطن/ة يشاركه الرّكض تحت سقف البلد.

هنا دمشق

مشهدٌ آخر يقسم العاصمة إلى قسمين متساويين، ربما في المساحة، ومختلفين تماماً في الحياة، حيث نهاية الجسر بين أبو رمانة، والبرامكة، بين بيوت بمليارات الليرات، وناس تقف على البسطات تحاول شراء ما يسمح لها مرتب شهري، تَعِبَ هو أيضاً من تقلبات سعر الصّرف، متناقضةٌ الحياة في العاصمة، على مدخل كليّة الحقوق حيث تُسنّ قوانين العدل والعدالة، يشتري النّاس من البسطات، ويحلم الطلبة بمحكمةٍ تلمُّ قضاياهم، فيكون الواقع جواز سفرٍ لمن استطاع إليه سبيلاً أو حظّاً عظيماً يرافقه في المحكمة، كي لا يشتري من بسطةٍ باتت جزءاً من تفاصيل حياته.

هنا دمشق

25 درجة نزولاً منتصف الجسر، تنقل النّاس إلى القسم الآخر من العاصمة والرّيف، هنا تماماً بائع للإكسوار الذي باتت أسعاره تشبه المكان القريب في تّكية دمشق، وعاشقٌ جديدٌ يقف أمامه مع حبيبته، و يحيط بيديه طرفي خصرها منعاً من أن يطرق بها ذاك الشّخص الذي تحدّث عنه المشهد الأوّل، ويعدُّ معهاً أدراجاً يأملُ ألا تنتهي كي لا يفلت يدها، حالماً بحياةٍ واقعها مجهول التّفاصيل، كما الكهرباء والوقود تماماً في البلاد، فهو في الحقيقة لا يحلم سوى بالسّرير الذي سيجمعه معها، ربما هنا لا حاجة للكهرباء والوقود، فحرارة الموقف كافية، وعند انتهاء الدّرج يركضان وصولاً للحمامة البيضاء “السيرفيس” الذي سينقلهم حيث نهاية النّهار.

هنا دمشق

ما يجمع الفوق والتّحت من الجسر وجوه ألفت بعضها بعضاً، وأحاديث تجمع بين المحاضرات الجامعيّة، وألفاظ نابية، والجميع اعتاد عليها، هنا تماماً على زاوية الدّرج الذي يربط “فوق الجسر وتحته”، رجلٌّ يعضُّ على شفتيه عن رؤية أيّ فتاةٍ جميلةٍ، وهنا أيضاً آخر يوبّخه، وهنا أيضاً يحلّ اللّيل بمشهدٍ جميل تلتقطه يوميّاً عدسات المارّين الحالمين…

هنا دمشق، حيث تناقضات كلّ الحياة، وما تزال النّاس هنا تضحك عند الليل، فيهتز الجسر من الألم…

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى