أحدث المقالاتمواهب واعدة

ما بصير .. عيب !

د. فاطمة أحمد

ما بصير .. عيب !

ما بصير .. عيب !

قالها لي أستاذ مادّة التّاريخ في المرحلة الإعداديّة، ولم يزد عليها كلاماً من بعده: “عيب! لا تبكي”، كنتُ أشعر حينها بالظّلم بسبب نقصٍ في درجاتي، والتي فصلتني مرتبةً عن الطّالبة الحائزة على الدّرجة الأولى في المدرسة.

أحسست عندها بارتياب غريب، وكأنّما ارتكبتُ خطيئة ما! كما أنّني استغربت من أستاذي، لأنّه أعابني في الإفصاح عن مشاعري، وأنا الطّفلة المراهقة.

هذه الحادثة من تاريخي الشّخصي، والتي قد تبدو عاديّة للعديد من النّاس، كان لها تأثير سلبيّ عليّ لمدّة طويلة، فقد كنت أعمدُ إلى كبت مشاعري كي لا تظهر، واُتهم بالضّعف والسّذاجة، وأصبح لقمة سائغة للآخر أيًّا كان هذا الآخر صديقاً أمّ عدوّاً، ولم أستطع التخلّص منها إلّا بعد مدّة من الزّمن، ومع المزيد من الوعي والنّضج والتّقبّل.

لماذا اخترت الحديث عن هذا الموقف تحديداً؟ كي أظهر لك أيّها القارئ العزيز مكر الأحكام الاجتماعيّة التي تتسرّب إلى شخصيّاتنا من غير أن ننتبه إليها غالباً إلا بعد مدّةٍ طويلة، وقاعدة هذه الأحكام مبنيّة على كلمتين خفيفتين نظيفتين في الظّاهر هما “عيب، ولا يجوز”!  ولا أجد تبريراً منطقيّاً لهاتين الكلمتين اللتين توحيان بالالتزام، والانضباط في الظّاهر، ولكنّها لا تتوافق في الغالب، والأعمّ مع ما يقوله الدّين أو القانون، ولاسيّما أنّ مجتمعاتنا تعيش انفصاماً مضمراً في العواطف والمشاعر. 

مفارقات عجائبيّة

مواقف كثيرة إذا قمنا بالفضّفضة عنها سنجد أنّها أسلوب تقليد متّبع في المجتمعات العربيّة عامّة، من بين هذه المواقف التي لا تُحصى: بأنّ الرّجل لا يجوز أن يعبّر لفظيّاً عن حبّه لزوجته في العلن فهذا انتقاصٌ لرجولته، في حين إذا عشق في السّرّ مثنى، وثلاث، ورباع، بالحلال أو الحرام فهذا حقّه الطّبيعي! 

المفارقات لا تشمل الرّجل فحسب بل تطال المرأة أيضًا، فالمرأة المتزوجة إذا عملت واشتغلت في ميادين خارج حدود بيتها، فهذا يعدّ أمومة ناقصة، لأنّها تقدّم مصلحتها الشّخصيّة على مصلحة الاعتناء المتواصل بأطفالها من “الفجر إلى النجر”، وللأسف تتحوّل هذه الفكرة السّخيفة إلى هاجس قلق، وخوف، ولوم مستمر، عند الأمّ العاملة، لأنّها لا تمارس وظيفتها الأموميّة على أكمل وجه، بحسب ما صدّرته الأحكام الاجتماعيّة إليها.

خندق التّناقضات

إذا جئنا إلى أحداث الرّاهن في العالمين الواقعي والافتراضي لنراقب فداحة المشهد عن قرب سنجد أنفسنا أمام مهزلة حقيقيّة. فقد سمعنا، على سبيل المثال، منذ فترة وجيزة عبر منصّات التّواصل الاجتماعي المطالبة الجماهيريّة في مصر من أجل حظر “التيك توك” على خلفيّة رقص فتيات شابّات في الشّارع، لأنّه سلوك معيب وخادش للحياء.

إلى هنا لا توجد إشكاليّة؛ والأمور ماشية عال العال في مثل هذا الخبر، سواءٌ كنت أيّها القارئ الكريم مؤيّداً أو معارضاً له. الكارثة متى تبدأ؟ عندما نتصبّح ونتمسّى على أفخاذ الفنّانات وخلفياتهنّ، وكأنّه لا شغل عندنا إلّا متابعة الفيديوهات الفاضحة للفنّانات المحترمات في الأغاني المصوّرة، والمسلسلات، والمهرجانات الدّوليّة.

والأغرب من هذا كلّه أنّك عندما تفتح أغنية ما، على سبيل المثال لا الحصر، للسّتّ هيفا أو “الكربوجة” مريام فستتفاجأ بملايين المشاهدات والـ”لايكات”.

إذًا لماذا عيبٌ على فتيات بعمر الورد أن يعشن طبيعتهنّ بعفويّة وبراءة، وليس عيباً على فنّانات يلجأن إلى مؤخراتهنّ للتّعبير عن محبتهنّ للجمهور؟!

 يا للمهزلة التي نعيشها ونتعايش معها سواء أكنّا راضين أم ممتعضين! أما آن الأوان لأن ترتفع نسبة الوعي لدى مجتمعاتنا، وخاصّة عند فئة الشّباب، وتتوقّف عن التّعاطي مع الابتذالات، وترفض الابتزازات العاطفيّة المقزّزة، والغبيّة، والمبنيّة، على كلمة عيب!

ما بصير .. عيب !

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى