أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأمقالات عشوائية

ضيق الأفق

نور مطر

لا نستطيع في عالمنا أن نكون حقيقيين، لا نستطيع أن نحيا كما نريد، نختار حياة يرضى عنها المجتمع، ولا نقتنع بها نحن.

نتحوّل إلى عميان لا نرى إلا ما رُسم لنا، وإن أصرّ واحدنا على اختيار حياته يصبح دائرة للاتهام والشتام، وكثير منّا يختار حياتين؛ حياة ترضي النّاس، ويحصل بذلك على مكانة رفيعة وحصانة اجتماعيّة، لا سيّما إن كان من أصحاب المذاهب والعمامات والعُقد، فهو مثال يُحتذى، وقدّوة حسنة، وقداسة مترامية الأبعاد، لا ينظر في أخلاقه ومبادئه بقدر ما ينظر في صلاته وتلاوته، وأخرى يرسمها كما يشاء يخطّها، يعبث بها، وتعبث به، يتغنّى بها، يعيشها حرّاً من كلّ القيود، يصل السّمو إن أراد، ويهبط للحضيض …

لطالما كنّا نبتعد عن هذه التّرّهات، وننعت أصحابها بذوي الوجوه المتعدّدة، حتّى أيقنّا أنّنا في عالمٍ يتطلّب منّا شيئاً من ذلك، فنحن سجناء المجتمع، وإن لم نفعل ولم نحيَ كما نريد نكون قد عشنا تمثيليّة الحياة البائسة.

ضيق الأفق

أدرك البعض منّا مؤخراً أنّها حياتنا ملكنا، ليست أيّاماً وتمضي إن لم نعشها كما نريد إذا لم نعش … حتّى الله في كتابه قال: (وهديناه النّجدين)، و (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، قد ترك لنا حريّة اختيار الدين، فما بالك بحياة طويلة نرسم أيّامها بأعمالنا وقناعاتنا، ثمّ إن كنّا نجباء منزّهين ولا نخطئ ولا نتعثر فكيف حصلنا على تلك القيم؟! كيف استطعنا أن نصف هذا حسن وهذا قبيح؟! وما معنى المثاليّة التي نادى بها أفلاطون والفارابي وابن خلدون وغيرهم كثر إن لم نقع وننهض؟!

نجرّب ونتذوق، نخطئ ونصيب، ما معنى حياتنا بل ما معنى تلك الأخلاق وكم تبعد عنّا المدينة الفاضلة؟! لعل أكثر ما يدمرنا هو القيود التي حشرنا أنفسنا بها حتّى بتنا كالقوالب، نعيش فيها، نتكاثر فيها، نورّثها للأجيال القادمة، والويل الويل لمن يحاول الاقتراب من الإطار الخارجي لتلك القوالب، نرجمه حتّى الموت، ثمّ نعود لنكمل سبات القوالب الآسنة.

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى