أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأاخبار فنية عامةسلايد اخبار فنية

ضبّوا الشّناتي!

سماح الحمادي

“لو كان الفقرُ رجلاً لقتلتهُ”، عبارةٌ تداولناها لأزمانٍ متتابعةٍ، وأصلُ هذه المقولة يعود للإمام “علي” كرّم الله وجههُ.

ذلك الرّجل متأصّل الفصاحة، الذي لم يذمّ الفقر بعبارتهِ، إنّما ذمَّ بها قلّة الحيلة، التي قد تأكل جسد المرء وملامحه.

الحياة اليوم لم تختلفُ كثيراً عن ذلك الزّمان البعيد، إنّما تراها سيقت بأتباعها من حربٍ، وهجرةٍ، وأوضاعٍ اقتصاديّةٍ شحيحةٍ، لسردابٍ من الفقر، وقلّة الحيلة، بصورةٍ متتابعةٍ.

في الشوارعِ؛ يأخذك المنظر ويدهشك، إذ تُقفلُ الأبواب في وقتٍ واحدٍ، لأسبابٍ ترشيديّة حفاظاً على تقنين التّيار الكهربائي، بردٌ قارصٌ، ورائحة حطبٍ محروق في جميع الأروقة الضّيّقة، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، أو ندرة وجودها، لكن المنظرُ الأشدّ قساوةً ستجدهُ في حيٍّ قديم، حيثُ لفتني البارحة مشهدٌ قاسٍ لم يهجر ذهني لحظة واحدة، عندما كنتُ بصدد رحلة العودة للبيت، برفقة والدي، حيثُ ثلاثةُ أطفالٍ ينامون في العراء، والبرد القارص، متلحّفين ببطانيةٍ فقيرة، ونصف إسفنجةٍ مبلّلة، من دون أن يُعرهم أحد أيّ اهتمام!

ضبّوا الشّناتي

أيّها الأعزاء، المدينةُ التي كان لا يجوع فيها فقير، ولا يبرد فيها قاطن، اليوم تجدها تعتصرُ نفسها، وأولادها في الأزقة الباردة!

ثلاثة أطفالٍ من عائلة متفككة، يعودون لمنطقة من الرّيف، يفترشون العراء في فصل الشّتاء، لقلّة حيلتهم، وفقرهم بالحصول على أيّ حلٍّ بديل.

فأيُّ فقرٍ سنقتلهُ! وأيُّ سيفٍ ذلك الذي سيتحملُ هذا العدد الخرافي من الأشخاص، والأجساد الشبعى أرواحها بالفقر، من أخمص القدمين إلى النّواصي! اليوم لم يعدْ الفقر محصور ببيتٍ أو عائلة، إنّما تحوّل لبيوت الأكثريّة.

اليوم، منظر أطفالٍ عراة على الأرصفة تجذب كاميرات المارّة لنشرها على مواقع التّواصل الاجتماعي، علَّ معيناً يتعثّر بصورهم، بينما تنهال الإعجابات عليها والتّعليقات.

من يصدّق أنّها ستتحوّل بعد سنواتٍ عجاف لمدينة المستضعفين والفقراء! للمدينة الأكثر قدرة على التّحمل! للمدينة التي يصطف بها آلاف الأبناء، متكئين على حيطانها، ينتظرون دورهم لنيل جواز سفر، يخلّصهم من المعاناة، والفقر، والوجود المهين، حيث الأحلام الضّائعة، والمستقبل المهمّش.

المدينة التي نحبّ، المريضة بنا حبّاً، والمريضين بها داءً.

ضبّوا الشّناتي

كيف تلبّس الفقر جسد الفيحاء! كلّ ما نعلمهُ جميعنا أنّ لعنةُ مدوّيةً عصفت بها، لعنةً فرقتنا ونهشت أجسادنا ولاكتنا لقماً متتابعة.

فهل يعقلُ إذن أن نستسلم للفقر؟! أيعقل أن ندفن سنين حياتنا؛ ونحن نحاول تأمين القليل من الطّعام، لأولادنا بدلاً من تأمين مستقبلٍ آمنٍ لهم؟! متى سنعود لنرى عائلاتنا مجتمعةً على طاولة طعامٍ واحدةٍ من دون سلسلة المواجع اللا منتهية؟

هل يستحق منّا هذا المكان تهميش تاريخه العريق؟!

هل نستحق نحن فعلاً من المكان الذي خلقنا فيهِ هذا الكم من المعاناة والحياة القاسية؟!

هل ستصفى بنا الحياة يوماً ونعود لنكون صورةً مشابهةً لحكاية مسلسل “الفصول الأربعة”، عائلةً سوريّة متحابّة وكبيرة، الجميع فيها يتعاضد لأجل المضّطر، أم سوف تأخذنا الحياة لأبعادٍ مختلفة، تبدأ بالأحلام الكبيرة وتنتهي بتغريبة سوريّة، سرقها الحلم مرّةً حتّى استيقظت من أعتابهِ في يومٍ آخر على صدى موسيقى “ضبّوا الشّناتي”.

سفّرّني عأيَّ بلد وتركني ونساني …

بالبحر رميني وما تسأل ما عندي طريق تاني …

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى