أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأاخبار فنية عامة

صناعة الوهم الفنّي

وسام رحال

قد يبدو العنوانُ من بدايتِهِ مشيراً إلى المحتوى، إذّ يعلم الجميع أنَّ للفنّ دوراً مهمّاً في صناعةِ محورٍ تفكيريٍّ عامٍّ للمجتمع، وهذه القضيّةُ بقدرِ ماهي نعمةٌ تمكِّنُ الفنّانين على اختلافِ فنونِهم من صنعِ فارقٍ في المجتمعِ نحو الأفضل، بقدرِ ما هي لعنةٌ كبيرةٌ جعلتْ الكثير من راكبي الفنِّ يصلونَ لمراكزَ حسّاسةٍ، ويتسلّطونَ على عقولِ الخلقِ فيقدمونَ ويحذفونَ ويصنعونَ محتوى على مقاساتِ رغباتِهم، وترى النّاس وراءَ الإضاءةِ كالفراشاتِ منساقينَ نحوَ الضّوءِ والنار، لا مبالينَ بحريقِهم القادم، وكلُّ همِّهم أنَّ هناكَ ضوءاً ما ليتبعوه، سواءً كانَ هذا الضّوءُ من نجمٍ فنيٍّ حقيقي أو من كذبةٍ صنعها الإعلام ورجال شركات الإنتاج، وروَّجَتْ لها الصّحافةُ مقابلَ مبالغَ صارَ لها الصّوتُ الأعلى في صنعِ الهالةِ الفنّيّة وطبَّلَت لها وسائل التّواصل التي غالباً ما يديرها بضعةُ أولاد، همُّ النّاسِ اليومِ هو الضّوء ولعبتُهُ أينما وجدت، وربّما تلطّفتُ حين وصفتُ النّاسَ بالفراشاتِ تتبعُ الضّوء لو وضعتُ وصفي أمام ما قالَهُ نزار قباني ذات قصيدةٍ قديمة ( الناسُ كالثيرانِ في بلادِنا بالأحمرِ الفاقعِ يؤخذون ).

صناعة الوهم الفنّي

لكنَّ هذا كلَّهُ يبقى وليداً لوهمٍ قبلَهُ، أسّسَ لهُ وصنعَهُ في مصانعِه، ألا وهو وهمُ المجاملةِ والنفاقِ للحصولِ على مستحقاتٍ كبرى، وعلى أكبر عددٍ من الكراسي في مسرحِ النّفاقِ الاجتماعي، فالذي يكتبُ روايةً ضعيفةً أو نصّاً مسرحيّاً أو يرسمُ لوحةً لا يفهمُ هو نفسُهُ رأسها من رجليها، وكذلك القصيدة، والعمل الدرامي المنتَج من منتجٍ كلُّ هدفهُ علاقاتُهُ مع بطلاتِ المسلسل، وتوزيعِ حصص الكومبارس، والبطولةِ في تختِهِ قبلَ الشّاشة، كلُّ هؤلاءِ ( قشة لفة ) كما يقالُ في المصطلحِ الشّامي مضطرونَ أن يصنعوا وهمَ النّفاقِ لبعضِهمِ بعضاً، لعلمِهم الضّمني أنَّ أعمالهم لن ترى النّور والتّصفيق مالم تُخادع بهذه الطريقة، فيصفّق الشّاعر( والشاعرُ هنا مجازاً وليسَ حقيقةً ) للوحةٍ على اعتبارِه متذوّقاً للفنِّ أوّلاً، وطلباً ضمنيّاً منه من صاحبِ اللّوحةِ أن يحضرَ أمسيتَهُ القادمة ليصفقَ لهُ ويصرخَ في أسفلِ المسرح ( آه يا عبقري ) على جملةٍ يقولُ فيها ( واتكأ اللازوردُ على شرفةِ اللامكانِ وهو معتمٌ للتو )، ولا بأسَ عندَ صاحبِ اللوحةِ أن يصفّقَ لهذا الكلامِ التّافهِ مادام صاحبُ الكلام صفَّقَ للوحةِ وحكى عنها في المعرضِ ساعاتٍ طوال، وهو يستخرجُ منها أبعاداً لم يدرِ صاحبُها أنّها بها ولم يصدّق أيضاً، لكنّها المصلحةُ التي دفعت الاثنين أن يفعلا ذلك، وعلى ذلكَ قِس معهم صاحبَ الرّوايةِ والمنتجَ والمسرحيَّ السّارحَ في كلِّ شيءٍ عدا المسرح.

صناعة الوهم الفنّي

يمكنُ الآنَ لكلِّ واحدٍ من أولئكَ أن يقولَ أنا يحضرُني في مرسمي أو أمسيتي أو حفلتي فلانٌ وفلانٌ وفلان، وهو بيدِه صنعَ وهمهم على طريقِ صنعِ وهمِه، وعوداً على بدءِ حيثُ قال نزار ( النّاسُ كالثّيرانِ في بلادِنا بالأحمرِ الفاقعِ يؤخذون ) يركضُ الجميعُ لحضورِ الأسماءِ التي تشعُ نجوميّةً في عالمِ الوهمِ الذي صارَ أكبر من الحقيقةِ بكثير، حتى ضاعِ نجاحُ النّاجحين في جلبابِ عالمٍ موازٍ صنعهُ أصحابُهُ وصنعناهُ لهم بتصفيقِنا.    

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى