أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأبقلم رئيس التحرير

ستزول الحياة عن وجه الأرض بعد عقود قليلة…

رئيس التّحرير: عامر فؤاد عامر

تابعنا منذ مدّةٍ ليست بالطويلة “فيديو”، ظهرت فيه النّجمة “أنجلينا جولي”؛ تقف صامتةً أمام نّحلات مشت على وجّهها وجسدها مدّة 18 دقيقة، للفت انتباه العالم في أهميّة هذه الكائنات ووجودها، ودعوة منها لرعايتها، وتوفير الجو الآمن لها بعيداً، عن المبيدات الحشريّة، التي تتسبّب في فتكها، ولكن في الحقيقة لم تكن هذه الدّعوة فقط من أجل هذه الأهداف، إذّ بات الخطر وشيكاً، وباتت نبوءة العالم المشهور “ألبرت أينشتاين”، قريبة الوقوع إن لم ننتبه جيّداً لما ذكره، فقد أشار، في وقتٍ قديم من القرن الماضي، إلى أن: ” اختفاء النّحل من كوكب الأرض يبقي للإنسان أربع سنوات من الحياة على سطحه فقط”.

نبوءة أينشتاين في النحل

تلك واحدة من تنبؤات “أينشتاين” سابقاً، لكنها باتت ظاهرة تهدّد الحياة على كوكب الأرض حاليّاً، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة؛ ما العلاقة بين النّحل وحياة البشر، وكيف ربط هذا العالم بينهما؟!

بدأ ناشطون في الغرب الانتباه لظاهرة موت أعداد كبيرة من النّحل بمعدلاتٍ تدعو للقلق، وأطلقوا على ظاهرة موت النّحل بصورة مفاجئة، “اضطراب انهيار المستعمرة”، وبحسب الإحصائيّات الأمريكيّة ازداد عدد مستعمرات النّحل التي لا تستطيع النّجاة من الشّتاء إلى أكثر من 30 مستعمرة، علماً أن العدد الطبيعي هو 10 مستعمرات فقط، كما انخفضت نسبة النّحل في الهكتار الواحد إلى أكثر من 90%، مما قلّل من إنتاج المزارعين لكميّات العسل التي اعتادوا عليها في السّنوات السّابقة.

انهيار مستعمرات النحل

تشير الدّراسات أيضاً أن النّحل وجد قبل الإنسان بخمسة وأربعين مليون سنة على كوكب الأرض، مُنظِّماً حياته، ومستقراً في طريقة عيشه وتكاثره، ومتأقلماً مع الطبيعة وتقلباتها، ولكن بوجود الإنسان العصّري الذي أدار ظهره للطبيعة عشرات العقود بدأ الخطر يزداد، فأكثر من 70% من إنتاج المحاصيل الزّراعيّة يعتمد على التّلقيح، حيث يلعب النّحل فيه دوراً فعّالاً لإتمامه، بسبب التّجوّل ما بين الزّهور والنّباتات لنقل اللقاح، وأخذ الرّحيق، ولكن مع ازدياد عدد السّكان والتّنامي غير المدروس بات الأمن الغذائي يهدّد حياة الإنسان الذي بحث باستمرار عن طُرقٍ أسرع للإنتاج، وسدّ الحاجات والاستهلاك اليومي للغذاء.

ويجب أن نعلم اليوم جميعاً أن ظاهرة موت النّحل وفقدانه، تُعدُّ أكثر خطورةً من ظاهرة الاحتباس الحراري على كوكب الأرض، ومن أهمّ العوامل التي تهدّد حياة النّحل المواد الكيميائيّة السّامة، كالمبيدات الحشريّة المستخدمة كثيراً من أجل زيادة المحاصيل، فهي تهدّد ذاكرة النّحل وتجعلها مشوّشة، وهناك تحذيراتٍ من أن الاستخدام غير المنظّم وغير المسؤول للمبيدات سيؤدّي الى فقد النّحل الموجود على كوكب الأرض خلال عقود قليلة قادمة.

علاقة النحل بالأمن الغذائي

دراسة جديدة قدّمها المعهد الفيدرالي السّويسري للتّكنولوجيا؛ خلصت إلى أن مكالمات الهاتف الخلوي تشوّش إشارة الاتصالات الحيويّة للنّحلة، مما يجعل النّحل مرتبك بشكلٍ مستمر، وغير قادرٍ على تحديد هدفه، وبالتالي يفقد قدرته في القيام بعمليّة التّلقيح.

يبدو أن “أينشتاين” كان مُحقّاً فيما قاله عن النّحل، ويبدو أن الوعي العلمي للمسألة بدأ يأخذ طريقه باتجاه التنبيه والتحذير، وربما يبشّر هذا الأمر بالخير، ولكن هل يكفي أن نعلن أن الخطر بات وشيك الوقوع؟! بالتأكيد نحن بانتظار أن يتكامل الوعي البشري، باتخاذ خطوات وإجراءات مهمّة وحاسمة، تحمي مستقبل الأجيال القادمة، وتضمن سلامة البيئة، والظروف المناخيّة، لتكون الأيّام المستقبليّة متّسمةً بالأمان، والصّحة، والتوازن البيئي، وهنا يأتي دور الإعلام والإعلان معاً في تنبيه البشر لمثل هذه الأخطار، القاتلة لجنسنا إذا ما حدثت، ويؤثر بي أن أنوّه في حديثي هنا عن المسلسل الدّرامي المصري “لعبة نيوتن” الذي تمّ عرضه في الموسم الرّمضاني الفائت، وكان يعتمد في قصّته على النّحل والعسل، ولَفْت انتباه المتلقي لقضايا مهمّة في خطّ  درامي لطيف عن المنحلة وإنتاج العسل وغيرها من المسائل الحسّاسة، ولو كان هناك إضافة أخرى في توعية النّاس عن أهميّة النّحل في حياتنا، وخطورة قتله، وعلاقة ذلك بأماننا، لكان المسلسل بلغ ما لم يبلغه مسلسل درامي عربي في السّنوات الأخيرة.

مسلسل لعبة نيوتن

تبقى المسألة بحاجة لوعي وإرادة منّا لأن نكون سبّاقين ومهتمين بهذه النواحي الحسّاسة من حياة البشر، فكلّ الأشياء تبقى على ارتباط واضح وخفي في نفس الوقت، حتى لو لعب الزّمن والمسافة دورهما في التّباعد والابتعاد، ويحضرني هنا قول أحد علماء فيزياء “الكوانتيّة”: “لا يمكن لك أن تقطف زهرة على الأرض من دون أن تهتز لك نجمة في السّماء”، بمعنى أن ارتباط الكون ببعضه البعض، ارتباط كلّي، وأيّ تغيير يسبّبه الإنسان على الأرض له ردّة فعلٍ قادمة.

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى