أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامةبقلم رئيس التحرير

مقتطفات من اللقاء الأخير لشيخ الرّوائيين حنا مينه

رئيس التّحرير: عامر فؤاد عامر

في وصيّته الأخيرة كتب شيخ الرّوائيين حنّا مينه: “أنّه يخشى ألا يموت، وأنّه منذورٌ للشّقاء منذ أبصرت عيناه النّور، لكنّه انتصر عليه. وأوصى ألا يذاع خبر مماته في أيّة وسيلةٍ إعلاميّةٍ منعاً للتّحسر عليه، مذكّراً أن هدفه في الحياة كان واحداً يتجلّى في نصرة الفقير. كما أنّه أوصى بمنع مظاهر الحزن والتّعبير عنها وشكلانيّاتها …” يبدو أنّ أحداً منّا لم يلتزم بهذا الجزء من الوصيّة، فهو شيخ الرّوائيين العرب والمتربّع على هرم الرّواية.

هذه الوصيّة حملت تنبيهاً ونبوءةً في آنٍ معاً فهو لم يعد يخشَ الموت! وقد أربكني الدّمع الذي رأيته في عينيه، فقرّرت أن أداعبه بسؤالٍ استكمالاً للمنطق الذي طرحه في الوصيّة، فقلت له وبمناسبة لقائنا: “بماذا توصيني اليوم بعد أن كتبت وصيّتك؟”، فأجابني مؤكداً: “عندما أموت، قلّ للنّاس لا تبكوا عليه، بل قولوا الله يرحمه، لقد عانى كثيراً في حياته، وتعذّب”.

حنّا مينه

في حضرة الرّوائي الكبير

يشبه البيت الذي يقطنه الرّوائي حنا مينه وجهه تماماً. على سطح الخزانة تراكمت حُزم الأوراق ومشاريع روائيّة، وهناك أكداسٌ من الأوراق والكتب المُغلفة بالنّايلون، وهنا حضر في بالي السّؤال: أما زال لدى الأديب حنا مينه المقدرة على تنظيم أوراقه، وفردها، وجمع معلوماتٍ سجّلها عبر سنواته التّسعين، ومن هو الشّخص الذي يتمكّن من احتواء كلّ هذا الكم من الأوراق، والقصاصات الورقيّة والدّفاتر والكتب، هل هناك من يساعده أم أنّ صديقاً يأتي ليرتب له هذه الأمور، التي يريدها، ويناوله ما يحتاجه منها، ومن معلوماتها؟!

جاء، في هذه الأثناء، طرقٌ على الباب، وكان “أبو أحمد” الشّخص الذي يأتي لمساعدة الأستاذ حنا مينه في بيته، جاء ليقدّم واجب الضّيافة لنا، فقد كنت برفقة المصوّر، ويهتم بشؤون البيت، وبعد أن قدّم لنا القهوة والماء البارد، قال لنا الأستاذ “مينه”: “الدّموع مرض العجائز، فقد قاربت التّسعين، ويوم البارحة تعبت كثيراً، وكان صديقي “أبو أحمد” موجوداً، ولم يتركني لأنّه خاف عليّ، لكنّني أجبرته على الذّهاب إلى بيته، فأنا أريد أن أواجه الموت وحيداً، وبقوّةٍ من دون خوف، ثمّ مضت السّاعات الواحدة تلو الأخرى، وبزغت أنوار الشّمس من جديد، ولم أمت”. وكانت نهاية حديثه مرفقة بضحكة كبيرة وعالية، تلتها ضحكاتي أنا والمصوّر. ثمّ نظر إليّ من جديد، وقال: “وجوهكم مضيئة، فأنا مسرور بوجودكم، لربّما الله أطال في عمري يوماً واحداً لأراكم. ويتابع حديثه لنا فيضيف: “كثيرٌ من الأشخاص ساهمت في دعمهم، ليصبحوا اليوم في مناصب يتبوؤنها، يتصلون بي ويعدون بزيارتي، لكن تمضي الأيّام من دون أن يأتوا للزّيارة …”.

حنا مينه
حنا مينه

المرأة الأديبة

تجتهد الأديبة في سوريا لتقدم مُنجزها الثّقافي، ويشجّع “مينه” هذا الحضور، وقد استغرقنا الحديث معاً عن هذا الجانب، لا سيّما وأنّ المرأة حاضرة بقوّة كمحورٍ فاعل في كلّ الأعمال الأدبيّة لديه، ومن حديثه أقتطف بما يتعلقُ بالأدب النّسوي: “أشجّعهن وأريد أن يكون لهنّ إنتاجٌ أكثر، فلتكتب قدر ما تستطيع وعليها أن تتخذ هذا الطّريق بجديّة أكبر مما هو عليه الآن، وقد أعجبني ما تكتبه الأديبة “مادلين إسبر” وأشجّعها أن تزيد من عطائها، فلديها المقدرة الأدبيّة. والمرأة في مجتمعنا من حقّها أن تجرّب وأن تتذوّق وأن تعرف عوالم أخرى غير عوالم بيتها وزوجها، وكذلك الرّجل، لكن الرّجل في مجتمعنا يستهلك نساء كثيرات، في حين المرأة تحمل الأولاد، وتنجب، وتتألّم، ويصيبها الكثير من الإرهاق والتّعب، وعلينا أن نوازن هذه المعادلة في مجتمعنا فننجح”. ويتابع “مينه” مستغرقاً أكثر في وصفه المرأة: “هي قضيّة أدبي كما البحر، فيها التّجلّي والاحترام والجرأة والخصوصيّة، والجدارة بأن تعيش وتبني”.

حنا مينه

الخطأ وشكله

من بين الأسئلة التي وددت أن أضيفها أيضاً في هذه الإضاءة عن ملاحظاته حول الخطأ وتراكمه لدينا، وأين مكمن الخطأ في الشّخصيّة السّوريّة والعربيّة عموماً، وكانت هذه الفكرة التي انتقلت إليها لمعرفة رأيه فيها، فجاء تعليقه: “لا يغرّك أن هناك حملة شهاداتٍ عليا، ودكاترة اختصاص يتبوؤن المناصب، فهم لديهم أخطاء كبيرة، لكن المشكلة لدينا أنّنا لا نبدأ بإصلاح الأخطاء الصّغيرة، والتي هي الأهمّ على الإطلاق برأيي، لأنّنا إذا تركنا هذه الأخطاء الصّغيرة عندها سيكون لدينا قمّة كبيرة من الخطأ، والتي يصعب علينا تجاوزها مع مرور الوقت” …

كانت هذه لمحات وإضاءة على اللقاء الأخير الذي وقع في آواخر العام 2011 أحببت استعادة جزءٍ منها في يوم ميلاد شيخ الرّوائيين العرب الكبير حنا مينه.

حنا مينه
الصحفي عامر فؤاد عامر مع الأديب حنا مينه

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى