أحدث المقالاتأهم المقالاتمقالات عشوائيةمواهب واعدة

جنون الكرسي

بيسان خلف

كرسي أحمر، وكرسي من ذهب، وكراسي فارهة باسم الشّعب، أوصلها الشّعب الذي يجلس على كرسي بلاستك، تتعدّد الكراسي في عالمنا وشراهة المنصب واحد، وعندما يلمس الإنسان أطراف الكرسي بحركة خفيفة، يبدأ الهوس الخفيف بالسّيطرة أكثر على ذلك الكرسي اللعين، يُعجب جداً بالمكان البراق، والثّياب اللامعة التي حصل عليها فجأة، وأوّل ما يجلس فوقه يعشقه حدّ العبادة، لدرجة أنّه يترك كلّ شيء ويصبّ اهتمامه على تدليل كرسيّه، يحضّرون له أوراق يخربش عليها توقيعه، ثمّ يتخيّل نفسه إله مصغّر، متحكّم في مصائر أصحاب الكراسي البلاستك، وتصبح معارضته أشبه بالذّنوب والمعاصي الإلهيّة، عواقبها وحشيّة  مدمّرة نفسيّاً بعيدة كلّ البعد عن الرّحمة والمغفرة الإلهيّة.

يعتلي كرسيّه ليخاطب النّاس ويحيط نفسه بحراسةٍ مشدّدةٍ، من دون أن يعلم بأنّ هؤلاء الحراس أوّل من يركله للخارج عند فقدانه للكرسي، ويحدّ علاقاته بإطار “البزنس كارد” كي لا يتعدّى أحد حدوده، والتي تصبح فيما بعد رتبة شرف لمن يحصل عليها، وطبعاً بعد الحصول على “البزنس كارد” يكون الاتصال به بمثابة حلم، تحقيقه يحتاج إلى هدايا تذكاريّة، ودخول أيّ شخص إلى مكتبه غالباً ما يكون حسب مزاجه ومزاج “المدام”.

عندما ينال أحدهم شرف الدّخول إلى مكتبه، ينظر إلى ذلك الكرسي المرهوب الجانب، ثمّ يقف باحترام ويطأطئ رأسه أمامه، ويتحدّث مع صاحبه بصوت منخفض، بتلك اللحظة صاحبنا يكون في أعلى مراحل الانتشاء، وتزداد عبادته لكرسيّه الذي حقّق رغبته.

جنون الكرسي

لكن بعد أن تنهك خربشاته جيوب وعقول أصحاب الكراسي البلاستك،  تبدأ المعركة بين النّفوذ والشّعب، إمّا أن يكون  صاحب الكرسي اللامع ذكي للغاية، ويلقي فشله في الغرور، وسوء الإدارة على عاتق كرسي أصغر وأقلّ لمعاناً، ويذيع أنّه السّبب في العذابات وغيابه سيكون بمثابة انتصار ورخاء، ثمّ يعاقب ذلك الشّخص أمام الجميع، لتبدأ الاحتفالات والتّصفيق للمخلّص صاحب البذلة البراقة، أو أن يعميه تعلّقه بالكرسي، وترتفع حدّة هوسه، وينهار تدريجيّاً، وخلال انهياره يرتكب بفضل غرامه للكرسي سلسلة حماقات بحق نفسه وبحق من هم أضعف منه، لدرجة أنّه يضحي بالمصلحة العامّة نت دون أيّ اكتراث، وهذا ما شهدناه وقت الانتخابات الأمريكيّة وهجوم أنصار الرّئيس “دونالد ترامب” على الت”كونغرس”.

عُبّاد الكرسي غالباً ما يصابوا بالغرور الأعمى، بحيث يظنّون أنّ الرّعب في عيون النّاس سيبقى مستمرّاً للأبد، لكن ما إن ينزل عن كرسيه حتى يُرمى في الشّارع، ويجرّد من سيّارته الفارهة، ونظرة الاحترام الممزوجة بالرّهبة، ليصبح مثله مثل النّاس ينحني احتراماً لخلفه في الكرسي، وتذهب تلك “البزنس كارد” الخاصّة به إلى درج عتيق مهمل، لتحلّ محلّها بطاقة شخص آخر جلس على كرسيّه، فالبقاء يفنى، ولا يخلد، والوجود الوحيد فقط لرهبة الكرسي.

جنون الكرسي

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى