أحدث الأخبار الفنيةأحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأاخبار فنية عامةسلايد اخبار فنيةفـــن

توبةٌ بمليون ونصف مشاهدة … “النّابلسي” يعتزل

سنا محمد

الهدف اللي ماشي فيه ما بيرضي ربّ العالمين

هذا هو الخبرُ (السّار) الذي أطلَّ به الفنّان الأردني الشّاب أدهم النّابلسي على جمهوره، خبره الذي تمنّى أن يُسعد المتابعين كما أسعدهَ، وكأنَّ سعادةَ الجمهور هي شرطٌ لنيلِ سعادة الخالق! وإلّا لِمَ تمنّاها عندما أطلَّ علينا، كان اكتفى بالامتناع عن الغناء من دون أن يزفَّ لمتابعيه نبأَهُ السّعيد.

لندقق أكثر في صيغة الاعتزال: الهدفُ لوجودنا على هذه الأرض هو إرضاء الله، وإلى هنا لم يخطئ الشّاب، وإن اختلفنا حولَ غاية الوجود لكنّه عندما استشهدَ بآيةٍ من القرآن الكريم: “وما خلقتُ الإنس والجنَّ إلّا ليعبدون”، ليعبّرَ أنّ الهدف الأساسي من وجودنا هو العبادة، وأنّه بغنائهِ ينافي هذا الهدف، وبأنّه كان ضالاًّ!

الشّاب الذي عرفه الجمهور، وصوّتَ لهُ، كإحدى المواهب الواعدة في برنامج “إكس فاكتور”، وحصدَ شعبيّةً كبيرةً، بسبب قرب صوته من صوت الفنّان اللّبناني وائل كفوري، والذي ضمّه لفريقه، ليصل به إلى النّهائي، لكنّه لم يفزْ باللقب، وعلى الرّغم من ذلك تابعَ في مسيرتِه، وحققَّ نجاحاً كبيراً.

أدهم النابلسي

مع أوّل أغنياته صنعَ “النّابلسي” فرقاً مع كشفه عن إصداراتٍ جديدة، كانت تحتلُّ في كلِّ مرّةٍ الصّدارة، ليصبحَ من أهمّ الأصواتِ الشّابة مع مرور الوقت، وتتحوّل كلُّ أغنيةٍ جديدةٍ له لـ”تريند”.

لكن الفنّان الأردني أرادَ أن يكون هو الـ”تريند” شخصيّاً عندما قال: “إنّ الحلم الذي حاولَ تحقيقه لا يُرضي ربّ العالمين”، وهنا بيتُ القصيد، فالخلاف ليس على إرضاء الله، وإنّما لماذا حُلمٌ كالغناء لا يرضيه؟ لا بدَّ أن هذه الجملة شكلّت صفعةً لجيل ناشئٍ يستمتع بسماعِ أغنياتِ “النّابلسي” الزَّخِمَة بالحالات العاطفيّة المتأزّمة، فهو كان المُشتاقَ، الملوّع، الولهان، وقد حملَ صوتهُ أقصى الانفعالاتِ العاطفيّة ابتداءً بالآهات وليس انتهاءً بالصّراخ، ولهذا فمن حقِّ من سِمعَ أغانيه ألّا يستوعب للوهلةِ الأولى ما نطقَ بهِ، هل: “نسخة منّك، وبتعرف شعور، مشتاق، هذا أنا، وهو الحبّ وغيرهم” يغضبون ربَّ العالمين؟

اعتزالُ أدهم النّابلسي بهذه الطريقة لوّث أفكاراً غضّةً لجيلٍ كاملٍ حول ماهية الخالق، وما هو محرّمٌ أو مُحللٌّ في الدّين والشّرائع! بالإضافةِ لما حملتهُ صيغة تعبير المغنّي واكتشافهِ المُتأخر بأن حُلمه غير صائبٍ، وبأنّه ضلَّ السّبيل، فالطريقَ الذي يسلكهُ منافٍ للعقيدة من ترهيبٍ لفئةٍ واسعةٍ، لم تُكوّن قناعاتها بعد حول الدّين، والحياة، والله، وذنبها فقط أنّها أحبّت هذا الفنّان وسَمِعت أغانيه، ناهيك عن طرفٍ آخر كان يرى في صعودِ الشّاب الأردني، ورحلتهُ، أملاً، ومثالاً، وحافزاً لتطوير موهبته، أو صقلها إيماناً منه بأنّه كما نجحَ هذا المغني سينجح، فبأيّ حالٍ تُركِوا هؤلاء؟!

أدهم النابلسي

بالعودةِ للقرآن الكريم، لا وجودَ لأيّ نصٍّ قرآنيّ يحرّم الفنّ بمجالاته المختلفة، فالله جميلٌ يحبُ الجمال، ومما لا خلافَ فيه أنّ الفنَّ ضربٌ من ضروبِ الجمال، ثمَّ إنّ العديد من آياتِ القرآن تلفتُ الانتباه إلى ما في الكون من تناسق وإبداعٍ، وما يتضمّنه ذلك من بهجةٍ في نفس النّاظرين تدعوهم للتفكّر بالخلق، ومن هنا لا يُعقل أن يرفض الإسلام الفنّ إلّا أنّه وبالتحديد يجعل الأولويّة للمبدأ الأخلاقي على المبدأ الجمالي، وأيّ مبدأ آخر، فالإسلامُ دينُ توسّطٍ واعتدالٍ، لكنَّ فئةً من المتطرفين اتخذت قوله تعالى: “ومن النّاس من يشتري لهو الحديث ليضلَّ عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هزواً أولئك لهم عذابٌ مهين”، كدليلٍ على التّحريم إذ فسّرت كلمة “لهو” بالغناء، والصّحافة، والفنون، واعتبرت أنّ كلَّ من يمارسهم مُرتدٌ عن الإسلام والدّين، وأخذتْ تدعّم تفسيرها المغلوط بأحاديثٍ منسوبةٍ للنّبي.

لكن لنعقلها قليلاً كيف تكون الصّحافةُ والفنون لهواً؟! المشكلةُ الحقيقة هي في من ينظر إليها هكذا ليحللَّ منعها، ثمَّ أليسَ الغناءُ هو أن يوظّفَ الصّوتُ لتأديةِ كلامٍ بطريقةٍ صحيحةٍ؟ وهل الإنشادُ الدّينيُ ليس غناءً؟! “فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.

القضيّةُ ليست في الاعتزال، وإنّما كيفَ اعتزلَ أدهمَ النابلسي، وكيف عبّرَ عن قراره في الاعتزال ولماذا؟

إنّهُ ليسَ الأوّل فقد سَبقه الفنان اللّبناني فضل شاكر، الذي وبعدَ التزامه بالأغاني الدّينيّة لسنواتٍ – لأنَّ الغناءَ في غير محراب الدين “حرام” – عاد هذا العام للغناء، لكنّه كسرَ صورتهَ المتوازنة في عيون محبّيه، فلم يجدهم، فهل سنرى عودةً قريبةً لأدهم النابلسي حين يدركُ أنّ الغناء “مش عيب” أم سيبقى “خايف” كما عنون إحدى أغنياته، وبهذا تكون “قصّتنا خلصت” لينجحَ التّطرّف من جديد في غسل عقولِ الشّباب في القرن الواحد والعشرين، ليسَ بسبب اعتزالِ “أدهم” بل لأنّ “النّابلسي” قرّرَ العودةَ لربِّه أمام الملأ، وحصدَ أكثر من مليون ونصف مشاهدة مع مرور ٢٤ ساعةً على إعلانه.

أدهم النابلسي

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى