أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامةبقلم رئيس التحرير

هل تاريخ الإذاعة يستحق تكريسه للبشاعة؟

رئيس التحرير: عامر فؤاد عامر

“في البدء كانت الكلمة”

جملة لطالما سمعتها تتردّد على شفاه ناطقيها، أثارت تساؤلاتٍ عدّة من بينها: إن كانت الكلمة هي البداية فمن الذي نطقها أوّلاً؟ هل كان هناك بشر ينطق لحظة تكوّن الكلام؟ وهل كان من يفهم الكلام من دون سماعه بصوت إنسانٍ آخر؟!

الأوم

تشير الدّراسات في الهند إلى أن الصّوت الكوني الأوّل في تكوين الحياة يُدعى “أوم”، هو نتيجة الولادة والتّكوين، وما تزال لهذه الكلمة قداستها “الأوم” لدرجة أنّهم يفسّرونها بالاعتماد على مفاهيم الأمومة والرّحم والإنجاب ومعانٍ كثيرة، لكن ما تؤكده الفيزياء الفلكيّة، أنّ لحظة الانفجار الكبير الأوّل حيث بدأ الكون بتفاعله ليعطي الفضاء الفسيح، ترافق مع صوت انفجارٍ ضخم، يُعتقد أن هذا الصّوت مؤلّف من حروف “الألف، والواو، والميم”.

ماركوني

الصوّت والتّردّد وانتقاله من مكانٍ لآخر، هو سحرٌ فَتَنَ الإنسان إلى أن أصبح الخيال متجسّداً في حقيقة بنى فيها المخترع “غولييلمو ماركوني” أوّل نظام لا سلكي متكامل عبر موجات البثّ الرّاديوي في العام 1894 ومنها وُلد جهاز الرّاديو، وبسلسلة من التطوّرات أصبحت الإذاعات منتشرة في كلّ بقاع الأرض، اجتمع النّاس حولها بذهولٍ مراراً وتكراراً إلى أن أصبح الرّاديو مؤنس الجلسات والسّهرات، وجامع أفراد البيت على طقوس الاستماع للموسيقى، ونشرات الأخبار والبرامج الإذاعيّة، وغيرها.

الراديو في مدن الملح

توثّق لنا روايات كثيرة حالة الإدهاش التي أصابت النّاس حيث اصطدموا بهذا الجهاز الغريب فخافوا منه في البداية، ثمّ مع مرور الوقت ألفوه، فها هو الأديب والرّوائي عبد الرحمن منيف يترك لنا شيئاً من ذلك في “التيه” عبر رواية “مدن الملح” فنقرأ فيها: ” كان الأصقى أوّل الذين وصلوا إلى المقهى، بعد زيارة الأمير والاطلاع على تلك العجيبة. للحظات طويلة التزم الصّمت كان فقط يهز رأسه ويديه دلالة الإعجاب والدّهشة … بعد تردّد طويل قال إن لدى الأمير شيئاً عجيباً: صندوق لكن ليس كأيّ صندوق، مثل سحارة الشّاي، أصغر أو أكبر، فهو ليس متأكداً، وهذا الصّندوق إذا ضُرب على رأسه صرخ وأخذ يتكلم، ولهذا الصّندوق عين واحدة فقط، عين لونها أخضر، مثل عشب الرّبيع، وإذا ضُرب مرّة أخرى، ويجب أن تكون ضربات غير قويّة، تخرج منه دقات طبل ومزمار، فإذا ضُرب مرّة ثانية وعلى جنبه بالذّات فإنّه يخرس ويموت”.

عيد الإذاعة
عبد الرحمن منيف – مدن الملح

سحر راديو بيت المرنيسي

تصف الرّوائيّة والباحثة المغربيّة فاطمة المرنيسي أيضاً، كيف كان للرّاديو حضوره الآسر لدى نساء بيتها، وهو شيء مما عاصرته وعاشته في طفولتها، حيث كان للرّاديو طقسه بينهن، فكتبت: “ما إن يغادر الرّجال البيت في الزّوال أحياناً حتّى تهرع النّساء إلى الرّاديو … وحين كانت شامة تعثر على النّغم كانت تلزمها عدّة إجراءات إضافيّة ذلك أن ضبط الرّاديو الكبير على محطّة واضحة وخالية من التّشويش قد يستغرق وقتاً لا ينتهي، وعندما كانت شامة تنجح في محاولتها وينبعث صوت رجولي دافئ ورقيق كصوت عبد الوهاب وهو يترنّم بـ”أحبّ عيشة الحريّة”، كان كلّ من في وسط الدّار يطلق آهات الطّرب، أمّا عندما كانت أصابع شامة السّحريّة تنجح في التقاط الأميرة أسمهان وهي تغني عبر الأمواج “أهوى … أنا أهوى” فإنّ الطّرب كان يبلغ بالنّساء مداه، كانت كلّ منهن تتخلّص من خفّيها وترمي بهما ويرقصن حافيات حول النّافورة الواحدة تلو الأخرى، وهي ترفع قفطانها بيد وتضمّ إلى صدرها باليد الأخرى حبيباً متخيّلاً”.

عيد الإذاعة
فاطمة المرنيسي – نساء على أجنحة الحلم

خطاب الملك نموذجاً

سلسلة طويلة من هذا الوصف نجده ليس فقط في الرّواية العربيّة بل من روايات كلّ البلدان، إلا أنّ فيلم “خطاب الملك”، بطولة “كولن فيرث” وإخراج “توم هوبر”، هو ما يثير ذاكرتنا السّينمائيّة لدى الحديث عن الرّاديو، حيث يُقحَم جورج السّادس في ورطة بعد انسحاب أخيه الأكبر من المَلكيّة البريطانيّة؛ ليكون هو الملك المؤهّل بعده، وحينها بدأ الرّاديو يأخذ في زمانه مكانةً حيويّةً يبثُّ من خلالها الرّؤساء والملوك كلامهم وخطاباتهم على مسامع النّاس في كلّ مكان، لكن الملك هنا مصاب برهاب التّأتأة! فكيف سيلقي خطابه على الملأ وأمام مايكرفون الإذاعة؟ لا ريب أنّها حادثة تستحق أن تؤرّخ عبر لغة الفنّ السّابع، وقد نال الفيلم نصيبه من الشّهرة والحضور وإعجاب الملايين، الشّيء الكثير.

عيد الإذاعة
فيلم خطاب الملك

عتب هيام حموي

تابعنا في الأيّام الأخيرة، وفي السّياق نفسه لقاء لأيقونة إذاعيّة، نعترف جميعنا بحيويّة حضورها في الإعلام الإذاعي، صوتاً جميلاً ومقدرة فريدة في تكوين المعلومة وإيصالها للمتلقي العربي، ونقصد هيام حموي، التي وجّهت في هذا اللقاء، بمناسبة يوم الإذاعة العالمي المصادف لـ13 شباط من كلّ عام، عبر لقاء إذاعي أجرته زميلتها فاتن حموي، عبر أثير صوت الشّعب، وجّهت فيه رسالة من العتب الكبير على إعلام اليوم، الذي يسعى من خلاله العامل في حقل الإعلام لإظهار السّيء من الخبر وتسليط الضّوء عليه، وهوس الـ”تريند”، وقنص المعلومة من الضّيف المُحاوَر، أكثر بكثير من البحث عن الجمال، والاهتمام بالمعلومة، وكيفيّة تقديمها للمتلقي بطريقةٍ صحيّة، فهل يرغب النّاس اليوم بتناول الوجبات الفاسدة على الصّحيّة؟! وهل البشاعة أصبحت جزء أساسي من الحياة والعمل الإعلامي؟! هي أسئلة مفتوحة أحببّنا بدورنا أنّ نلقي الضّوء عليها ونفكّر ونتشارك فيها معاً.

عيد الإذاعة
هيام الحموي

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى