أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامة

بزنس طبّي

زهر يوسف

بعيون مشدوهة حدّ “الفنجرة”؛ كانت حالتي وأنا أقرأ ما خرج من فم المختار نقيباً للأطباء، إذ تفوّه: “المؤسّسة السّورية للتّأمين عدّلت”، نعم عدّلت ولم ترفع عن عورة لا … بل أجور الأطباء، وزاد على ما خرج من فمه، إنّها خطوة في تحقيق (توازن بين المريض والطّبيب).

لماذا نعقد الحاجبين ونحن نقرأ أو حتّى نسمع هكذا تصريح؟! عجيب أمر أصحاب “المعلاق الكبير”، فالفم ببساطة يلفظ مفردات وجمل وعبارات لا تلوى بقانون ولا تدخل مقصلة جمارك.

قبل أيّام، أنا العبدة لله، زرت طبيبة مع قريبةٍ لي، بعد التّحيّة، ردّت الممرضة عشرة آلاف ليرة من فضلك، عقبتُ – مازحةً – أهذه تسعيرة التّحيّة، ابتسمت الممرضة، كورقة أيلول، وقالت المعاينة. أخرجت المعلوم، فيما البلعوم أصابه الجفاف، وتشويش في الرّؤية، الصّدّمة غير متوقعة لسببٍ هيّن، حيث أنّني في وارد زيارة طبيبين، واحد للبلعوم، وآخر للعيون! عشرة آلاف لكلّ منهما، ولم تتكحل العيون بعد برؤية الطّبيب … لساعاتٍ انتظرنا، أتى الفرج، أسئلة، واستفهامات، وفحص “إيكو” من دون صور، وأجوبة مقابلة. كلّ ذلك أخذ من الزّمن ربع ساعة، انتهت الزّيارة، أهناك أدوية، تحاليل، صور؟ الإجابات تترى (لا). العقل وقتها يأبى الاعتراف بتحويل الأطباء لحصّالة أموال! ربع ساعة لشخصين بتسعيرة عشرين ألف ليرة، فكيف الحال إذا كان هناك أدوية وتحاليل والسّبحة تطول؟!

بزنس طبّي

أضف أنّ التّسعيرة لو أمكنها النّطق، لقالت بدلال وغنج فتاة العشرين: إنّها حسب المنطقة التي توجد فيها العيادة، فعلى سبيل الذّكر لا الحصر، منطقة راقية في العاصمة دمشق، لا تقبل أن تتساوى مع منطقة هي في العرف العقاري درجة ثالثة أو رابعة، علماً أنّ كليهما يكوي جيب المواطن المهدود، المثقوب … ربّاه، أيّ زمنٍ هذا، وما هو القادم.

لم أكن الوحيدة التي تبتلع علقم المعيشة، كثيرون وصلوا بجدارة إلى رتبة العجز، ليست لمعاينة الطّبيب، بل حتّى لشراء الأدوية، “إلياس” أحدهم استغنى عن الدّواء؛ ووجد ضالّته بالأعشاب لتسكين آلامه: “مضطرّ وغصب عنّي لأنّني لم أعد أقوى على دفع 500 ألف ثمن الأدوية، من التهابات وضغط وغيرها، أنا عاجز”. كأنّهم يسحبوننا بالزّمن إلى الوراء، زمن التّداوي بالأعشاب، وهذا رأيٌ آخر يقول: عدنا إلى عصر ما قبل الحداثة، والسؤال الذي يُسأل ماذا يريدون؟ أنُقتل على البطيء، أم نُدفع بإرادتنا إلى الانتحار؟

“نضال” أحد مراجعي عيادة للغدد الصّم، عمره ثلاثة وستين، يعاني ارتفاع ضغط الدّم، وعدم استقرار نسبة سكّر الدّم، مما يضطرّه لإجراء معاينة دوريّة عند طبيبه المختصّ، والذي تتجاوز أجور معاينته في الزيّارة الأولى إحدى عشرة ألفاً، أمّا “أروى”، تعاني من مرض يقف عائقاً أمام تحقيق حلمها في الأمومة، وبتنهيدة نارها تشوي خاروفاً، ذكرت: “إن بعض الأطباء الذين راجعتهم يتقاضون تعرفة المعاينة بشكلٍ مزاجي. تعبت كثيراً”. فيما أكدت “راما” أن كلفة معالجة أحد أضراسها المصاب بالتّسوّس وصلت إلى ثلاثين ألف ليرة، “ليرة تنطح ليرة”، بعد جلساتٍ أربع عند طبيب الأسنان.

حال وواقع، دفعا بالكثير من المرضى الذين لا طاقة لهم على احتمال أجور المعاينات، لتوجيه وجههم شطر الصّيدلاني، وشرح معاناتهم، والاكتفاء بما ينصح به من أدوية، غير آبهين بخطورة ذلك على حياتهم.

قد يقول لك أحدهم إن سألته عن حياته: (أتعتقد أننا نعيش) …

بزنس طبّي

يتنطح على الضفة المقابلة، عراب الأطباء، لينخر رأسك بعبارة أنّ الطّبيب هو مواطن أيضاً، وما يقع على المواطن يقع عليه. عفواً، من قال غير ذلك؟! هذا صحيح ولا غبار عليه، غير أن الأصح أن كثير من الأطباء الذي باتوا يمتهنون مجال الإنسانية، كـ”بزنس” طبّي، وعلى الموجة العريضة، غير غافلين أن هناك أطباء ما زالت الرّحمة في محيّاهم كما القلوب، يحافظون على تعرفة المعاينة بألف ليرة أو يقومون بتخفيضها أحياناً، وهناك أطباء أخذوا على عاتقهم عهداً بمعاينة الفقراء وأصحاب الدّخل خالي الدّسم مجاناً.

وبعد ما سيق، المضحك المبكي أنّ نقيب أطباء سورية سابقاً يقول “بناء على القانون الذي لم يطرأ عليه تعديل، فكلّ الأطباء مخالفين، ونحن لا نحاسب أيّ طبيب مخالف، وفي حال وجود شكوى لمواطن “معتّر” يمكنه زيارة فروع النّقابة للبحث في وجود أجور مرتفعة! نعود للعبارة الأولى التي وردت في السّطر الأوّل من هذه المقالة، (توازن بين الطّبيب والمريض)، أين هو أقلّه التّوازن الفكري والنّفسي قبل ذلك؟!

حتّى لا نُتّهم بالسّوداويّة والتّحامل، ربّما يكون مطلب الأطباء لرفع أجور المعاينات محقّاً وسط الظّروف الحالية، حاله حال مطالب الموظفين رفع الرّواتب، والمواطنين تحسين المعيشة، فكلّ الأسعار من حول المواطن تحلّق، وهو ما يزال ينتظر ارتفاع دخله.

بزنس طبّي

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى