أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامة

لعنة الهواتف الذّكيّة

د. مأمون علواني في حوار خاصّ مع د. فاطمة أحمد

أصبح الهاتف الذّكيّ لصيقاً بالبشر في الشّرق والغرب، برأيك ما تأثير هذا الإدمان الخطير في النّاس على المدى البعيد؟

دعيني أذكر لك أوّلاً إيجابيّات الهاتف الذّكيّ، إذ استطاع العالم الافتراضيّ الملازم للهواتف الذّكيّة، ولاسيّما منصّات “السوشيال ميديا” تحرير ٧٠٪ من البشر من خوفهم، أيّ أنّ الإنسان ذاق طعم الحرّية لأوّل مرّة من خلال الهاتف الذّكيّ، فمثلاً تجدين شخصاً ما يخشى التّعبير عن أفكاره في الواقع الحقيقيّ لأسباب كثيرة، فيلجأ إلى إنشاء  حسابٍ باسمٍ وهمي، ويضع صورةً ليست له، ويبدأ من خلال حسابه الكتابة والتّعبير في كلّ المواضيع التي يخشى الحديث عنها في الواقع، وبإمكانه مثلاً أن يتقمّص دور المرأة، ويخرج كلّ النّزوات الخفيّة التي داخله! فإمّا أن يعبّر عن عُقده أو بغضه أو عشقه من خلال الكلام الذي يضعه، وهذا يعني التّحرر من القيود والضّغوطات الاجتماعيّة والعرفيّة والدّينيّة التي كانت تكبّل آراءه. إذاً للهاتف الذّكيّ عدّة وظائف أوّلها الاتّصال، وثانيها هو الاستفادة من شبكة الانترنت الموجودة في الهاتف، التي كما قلنا عنها، وسيلة لتحرير خفايا النّفس عند الإنسان. هناك أناسٌ وفق نظريّة “سوسيولوجيا” علم الاجتماع لا يستطيعون التّعبير عمّا يجول في خاطرهم، والسّبب في ذلك ليس لأنّهم غير قادرين على النّطق أو لا يملكون مفردات لغويّة في أذهانهم، بل لأنّهم يخجلون كثيراً، وعندهم الخوف الشّديد والرُّهاب من الآخرين، فتجدينهم يتّجهون إلى “الفيس بوك” أو “التويتر” مثلاً، لإخراج كلّ ما يدور في أذهانهم من كلام كثير، وفي موضوعات شتّى، مثل: الشّعر، والحكم، والأمثال، والآراء المختلفة حول المواقف العامّة، والحديث عن النّصائح والإرشادات … فضلاً عن قراءة كلّ المستجدّات والأخبار المنوّعة، ونقاشات الأصدقاء، وأحاديث المعارف والأهل التي ربّما لا تمتدّ  إلّا سويعات قليلة في الحياة الواقعيّة. إذاً لا نستطيع أن ننكر قيمة هذا الاختراع الهائل، ومن ورائه الشّبكة العنكبوتيّة “الانترنت” المذهلة!

ثمّة أمر آخر لا نستطيع التّغافل عنه، وهو تحرير النّاس جنسيّاً من خلال التّعبير عمّا في دواخلهم، وربّما من غير أن يعرفهم أحد، وذلك باسم وهميّ، كذلك حرّرهم “الانترنت” اجتماعيّاً من خلال التّواصل والتّقارب بين البشر في الودّ والتّآلف من أقصى شرق الكرة الأرضيّة إلى أقصى الغرب، وربّما العكس في إحداث القطيعة والمشاكل أيضاً. إذاً امتلك “الانترنت” قدرة فظيعة على التّدخل في ماهيّة العلاقات الاجتماعيّة وتسهيلها.

لعنة الهواتف الذّكيّة

من هنا نجد سرعة التّواصل عبر الهواتف الذّكيّة، وسرعة انتقال الحدث أو المعلومة من جهة، والتّطوّر الفكريّ (الوهميّ) عند الكثير من أبناء المجتمع من جهة أخرى، حيث تجدين شخصاً ربّما لا يحمل أيّة شهادة عليا، ولكنّه أصبح شاعراً أو كاتباً بين ليلة وضحاها، فيستجمع آلاف الإعجابات الوهميّة من خلال وسائل التّواصل الاجتماعي، التي تُشعر صاحبها بالفرح والرّضا من وراء الشّاشة. ناهيكِ عن ادّعاء الشّخصيّات شكلاً ومضموناً في الانترنت، إذ تجدين شخصيّات على درجة عالية من الفهم والذّكاء والأخلاق الرّفيعة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ من خلال أحاديثها وتعليقاتها، فتتفاجئين عكس ذلك في الواقع! إذاً قد ألبس الانترنت الإنسان لبوساً غير حقيقيّ كما يتمنّى صاحبه أن يكون.

وإذا توغّلنا الحديث عن السّلبيات سنجد أوّلاً: حوالي٦٠٪ من المعلومات التي تدور في الشّبكة العنكبوتيّة مبرمجة أو مؤدلجة، وهذا يسبّب ضعفاً في تطوّر وتقدّم الفكر والثّقافة الاجتماعيّة عند النّاس، و(الجيل الصّاعد) على وجه الخصوص، إذ إنّهم يتعرّفون على المعلومات من خلال الشّبكة العنكبوتيّة التي تضخ معلومات غير مؤكّدة، وقصصاً عاطفيّة إمّا محرّفة أو وهميّة، فينشر مثلاً أحدهم: هذا المقطع السّرديّ مجزوءٌ من بحثٍ تمّ نشره في جامعة كنديّة أو بريطانيّة ويكون ذلك غير صحيح، فيتمّ التّرويج له بشكل احترافيّ على أنّه صحيح، ويصدّق الكثير من المتابعين  هذا الكلام، وينخدعون بكلام مدّعيه! إلّا إذا توخّى الحذر في أخذ المصدر الصحيح، وكان واعياً في تداول المعلومة ونشرها، كمقولة: “عندما تنهار الأمم …” نُسبت زوراً لابن خلدون، وتمّ تداولها في الشّابكة، وهي ليست له!

لعنة الهواتف الذّكيّة

ثانياً: أضرار شاشة الهاتف المحمول على العين عند الكبار والصّغار، وأنا شخصيّاً، لا أخفيكِ، أمضي في حدود أربع عشرة ساعة أمام الشّاشة ما بين العمل والتّرويح عن النّفس. وهذا السّلوك له أضرار كثيرة، إذ يسبب ضعفاً وضموراً في عضلات الجسم، بالإضافة إلى انغلاق اجتماعيّ، وضعف في التّواصل البشريّ على أرض الواقع. وهناك سلبيّة أخرى ضارّة وهي الإدمان على الألعاب الالكترونيّة التي تؤدّي أحياناً إلى حالات انتحار، وربّما إلى القيام بأفعال وسلوكيّات سيّئة.

أيضاً هناك سرعة إيصال المعلومات شبه الجاهزة، التي هي بمثابة وصفات سريعة لمعارف أو خبرات قد تحتاج إلى عشرات السّنين حتى يستطيع المرء امتلاكها بالفعل.

نعم! لقد أصبح وجود الهاتف الذّكيّ، ولصيقه “الانترنت” بمثابة الأوكسجين لدى البشر جميعاً، ولاسيّما عند الجيل الجديد، إذ لا نستطيع منعه أو السّيطرة عليه، لأنّه أباح كلّ الأشياء والمجالات، وبكلّ سهولة. وقد يأتي يوماً ما يخترع أحدهم شيئاً يجعلنا ملازمين المنازل والبيوت، لأنّ كلّ ما نحتاجه هو موجودٌ عندنا ونملكه، بمعنى آخر أن يملك كلّ شخص عالمه الافتراضيّ الخاصّ به من غير الاحتياج إلى الآخر أو الذّهاب والإياب، والعيش فيه بكلّ راحة وسرور. ولكن للأسف، سيتمّ عندها أسر العقول والتحكّم بها عن بعد!

لعنة الهواتف الذّكيّة

هل تحبّذ الهواتف الذّكيّة لليافعين أم لا؟ ولماذا؟

في الحقيقة السّؤال إشكاليّ، لأنّ كلمتا “نعم” و”لا” مقيّدتان في هذ السّؤال. فأنا مثلاً أحبّذ استعمال الهواتف الذّكيّة، ولكن ضمن حدود وضوابط، إلّا أنّي، في الحقيقة، لا أستطيع إلغاء الانترنت في المنزل عن بناتي بشكل تامّ، وفكرة المراقبة أثناء استعمال الانترنت مستحيلة، ولكن عندما أكون مستاءً منهنّ آنذاك ألغي الانترنت عدّة أيّام، وآخذ الهواتف كعقوبة لهنّ، ولكنّي لا أطيل المدّة كي لا يتأخّرن عن أقرانهن في المدرسة من اكتساب المعلومات، والتّعرّف على ما وصل إليه العالم في كلّ المجالات.  والحمدللّه أعيش مع عائلتي في الإمارات العربيّة المتّحدة حيث استطاعت الحكومة هنا بالتّكفّل في حماية النّاس من المواقع الإباحيّة بشكل تامّ، ومن كلّ النّواحي، ومهما حاول أحدهم الاستعانة ببرامج الاختراق، فلن يفلح في ذلك. وعليه، فإنّي أشكر القائمين على هذا الأمر الشّكر الجزيل على جهودهم المبذولة في تنفيذ هذا الأمر الذي نرجو تنفيذه في كلّ الدّول.

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى