أحدث المقالاتإقرأاخبار فنية عامةالمقالات عامةبقلم رئيس التحريرسلايد اخبار فنيةفـــن

“المومس الفاضلة” … المكتوب قد بان من العنوان!

رئيس التحرير: عامر فؤاد عامر

تابعنا مؤخراً موجة غاضبة رافضة من الشّارع المصري، لمشروع مسرحيّة “المومس الفاضلة”، وكان هناك تبنٍ كبير لهذه الموجة من قبل سياسيين، وإداريين، ومتعلمين، وغيرهم من شتى الفئات المجتمعيّة، والملفت للانتباه أن وسائل الإعلام على أنواعها ضجّت بهذه المسألة، وما تزال، فما هي القصّة إذاً؟

تتحدّث المسرحيّة لمؤلّفها الفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر”، عن امرأة تمتهن الدّعارة وتعيش منها، وبعد وقوع حادثة قتل يتمّ تلفيق التّهمة لشاب زنجي، كان قد دافع عن الضحيّة على الرّغم من عدم معرفته بها، ويخضع للمحاكمة، ومن بين التلفيقات والإدانات دفع هذه المومس للإدلاء بشهادة زور ضدّ الزّنجي، لكنّها ترفض هذا الأمر أمام القاضي، بعد الضغط عليها من سيناتور، لأن القاتل الحقيقي كان ابنه، لكنها كانت صاحبة ضمير وأنقذت بشهادتها الزّنجي المُدان.

المومس الفاضلة
بروشور مسرحية المومس الفاضلة بنسخته الفرنسيّة

العمل مكتوب في العام 1947، وقد جُسّد مسرحيّاً في مصر على خشبة المسرح القومي، ببطولة أدّتها الفنانة القديرة سميحة أيوب، وتذكر المصادر أنّها لاقت رواجاً، وإقبالاً، ونقداً كبيراً، في ستينات القرن الماضي، وكان هناك من الصّنفين المؤيد للعمل، والرافض له.

يذكرنا كلّ هذا بما قدّمه المفكر الدكتور محمد عابد الجابري، في مشروعه في نقد العقل العربي، حيث أضاء في تحليله النّقدي على إشكاليّة العقل العربي، العالق بين آناه، وبين الآخر، فالعربي مرتبط بماضيه، ولم يتمكن من تحرير نفسه من هذا الماضي، لكن المعاصرة والتّجديد حاضران في حياته، مع ملاحظة ارتباط ذلك بالآخر، أيّ بالعقل الأوربي لا العقل العربي.

لذلك نلاحظ أن دوافع داخليّة لدى العربي، تجعله أكثر رفضاً للمسألة المرتبطة بالآخر، وغير المرتبطة به شخصيّاً، بالتّالي يلعب هذا البعد السّيكولوجي دوره في حياة العربي على الدّوام طالما هو شاعر بهذا البعد، والتعلّق بالـ”أنا”.

المومس الفاضلة
المفكر والفيلسوف محمد عابد الجابري

عذراً منك أيّها “الجابري” إذّ تغدو الصّورة اليوم؛ ليست مشوّشةً، كما أشرت وحسب، بل أكثر إيلاماً، فبعد الإعلان عن إعادة نسخة جديدة من مسرحيّة “المومس الفاضلة” بإخراج بطلتها السابقة “أيوب” وتمثيل النّجمة إلهام شاهين، المبتعدة عن المسرح سنوات طويلة، لتحتفل بعودتها إليه عبر بطولة هذه المسرحيّة، تنتشر موجة غاضبة يمكن وصفها بالغالبة على الرّأي الآخر، الذي ربّما يشجّع على هذه التّجربة، كنوع من التّكريم للبطلة “أيوب”، أو ترحيباً بالثّقافة الغربيّة والمسرح، أو تنويعاً في الثّقافة المسرحيّة على الخشبة العربيّة، وغير ذلك من الاحتمالات، فما يطفو على السّطح هو فقط الموجة الكارهة لما تقوم به الفنانتان سميحة أيوب وإلهام شاهين، فقط.

يتّضح الضياع أكثر يا سادة، عندما نعلم أن الغالبيّة من كلّ ما شاهدناه وما تابعناه، قد شنّوا هجومهم فقط لدى قراءة العنوان، إذّ كيف يمكن التقاء كلمة “مومس” المكروهة من العقل العربي مع كلمة “فاضلة” التي نستخدمها في حياتنا لغويّاً مع الأمّ أو المعلمة أو الإنسانة الخيّرة مهما كانت مهنتها!؟

المومس الفاضلة
سميحة أيوب وإلهام شاهين

نحن اليوم أمام إغراقٍ كبير في الماضي للأسف، بل أمام انتزاع حقّ الجيل الجديد في التّفكير، والتّعرّف على أيّ ثقافة، فمرحباً بالانغلاق، ومرحباً بسدّ الأبواب، والشّبابيك، فلا نريد أيّ ريح جديدة تحمل لنا نوعاً أو فكراً جديداً، فقد ثقلت كواهلنا من كثرة الفكر، والعلم، والاختراعات، ولا بدّ لنا من التّقاعد والابتعاد عن البشريّة، إذّ لا حاجة لنا من أحد، ويكفينا ما لدينا، “فالمكتوب بيانٌ لنا فقط من عنوانه”!

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى