أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأمقالات عشوائيةمواهب واعدة

أعرفت الموؤدة لماذا قتلت؟!

 زهر يوسف

ضفّتان هما، متقابلتان، الفاصل طريق لا هو معبّد بالإسفلت المسلّح “لا قدّر الله”، ولا هو مفروش بالورود! تخيّل أن يكون كذلك، ولا هو معزّز بالألغام.

على الضّفّة الأولى، رجال صناديد، تمّ حقنهم بإبر تنويم لا تخلو من شحوم التّعبئة الوجوديّة “نكون أو لا نكون”.

الحال ذاته على الضّفّة المقابلة، حدّ التّطابق، كعملة واحدة بوجهين، وغبار العراك بين الضّفّتين يرمد العين لا بل يسعى بحقد للعمى مع سبق الإصرار، كلّ منهما للآخر … لماذا؟! إذا دقّقت في النّظرات والضّغط على الشّفاه وحركة العين وكبر وصغر فتحات الأنف بغضّ النّظر إن كان هناك انحراف وتيرة أم لا عند هذا أو ذاك، ترى الإجابة تخنق الإثنين معاً.

قد يرى متفلسف ضلالته في أشكال كهذه، ويعتلي منبراً ليجاهر بصوت مدعوم استخباراتي، لا يهمّ من الجهة، الأهمّ اطراء معلّب وممهور بدماء القابعين هناك على تلّتين، صدر الأوّل حاضر لرصاصة الآخر، والعكس صحيح مئة بالمئة، فكيف بأخوة الغلّ، وجبة كاملة الدّسم تقدّم لهما مع وعودٍ بشرب نخب (الانتصار).

كإبرة توخز عن غفلة، تثير عصبيّتك وبعدها تضحك، حالتان متناقضتان غير أنهما موجودتان، (نخب انتصار) يا لها من نكتة سمجة، كذلك المتفلسف الذي انكشفت خطوط حنجرته، يضغط على نفسه، ظنّاً منه أنّه يشحذ همم، يرفع السّبّابة متوعّداً ومحذّراً ومتورّماً كملفوفة تريد المنافسة في “غينيس”!!

الموؤدة لماذا قتلت

تخيّل يا رعاك الله -رحم الله البجيرمي- في أوّل تلّة، مرابط حدّثني أنّه هاتف أمّه يطمئنها: “لا تقلقي أمّاه، قتلنا منهم عدد لا بأس به”! شعر البدن استنفر، كأنّه جلد دجاجة نُتِف ريشها للتّو.

سألته: “أتعرف لماذا أنت هنا”؟ … الإجابة: “لأنّي مغضوب”. وافقته بالسّرّ.

أتقتل؟

أسهل من شُربة ماء…

كرمى من؟

يسود الصّمت، كسره نسمة حملت من الغبار أنّه سعل لدقائق…

في البرد، تتجمّد دمائهم، السّماء سقفهم، وفي الحرّ، يُشوّون كجراد ضلّ الطّريق في رحلة هجرة.

إلى المحرس المقابل، سرّ، أعطيت أمر عسكريّاً لنفسي، مرابط ثانٍ ذا اللّون الواحد، والاختلاف في الرّؤية.

صحيح نقطة استدراك، ما المانع أنّ اللّون الأزرق لديّ يأخذ من الأرقام واحد، وعند الآخر يأخذ رقم 9؟

في دفتر حسابات أيّ حلبة، تنافسيّة كانت أم كسر عظم، يبدو أنّ الأرقام مهمّة في مكان وغير مهمّة في آخر.

للصدفة البريئة، هذا المرابط، يهاتف أخته التي تصغره بسنوات زادت عن السّتّة بأشهر عدّة، “مبروك تقولين نجحتي … أمر جيّد … عاهديني أن تبقي كذلك …”. يحرق نفس سيجارة غير آبه بأنّه يحرق رئتيه.

أسئلة تترى لذاتها، “ماذا تفعل هنا؟!”، “الواجب” أتى الرّد … أقلت واجب! … ماذا تعرف عن الواجب؟ من فرض هذا الواجب؟ ألا تلاحظ أن ما تقول عنه واجباً فضفاضاً عليه؟!

أيّ جوابٍ على حرقته لا يهم، فالتّنويم، واضح أنّه أصلي لا تشبهه شائبة.

مدجّجين بسلاح إلغاء الآخر، إلا أن الضّرورة تقتضي “التّعديل” في التّكتيك، من دون تغيير في الاستراتيجيّة.

الموؤدة لماذا قتلت

على سبيل الحياة، ولّاعة السّيجارة إذا ما فقدت من جيبه يستعيرها من التّلّة الأخرى، هنا تنتفي الفوارق في الألوان، الغاية تبرّر الوسيلة، يا لها من نفس بشريّة!! هذه نقطة في بحر أمثلة يُسأل لاعبوها في أيّ بقعة من عالمٍ منفلتٍ بأيّ عقال، إلا عقال التخندق الأعمى.

فمن السّهولة بمكان التّحول إلى قطيع من خراف، ربّما يسير لمنفذٍ واحد على الرّغم من أن الحظيرة فيها أكثر من مسراب أكثر أماناً وراحةً واطمئناناً! ثالوث هو لا يعترف بالتّقديس عمّن يهندسون خناقة من عيار ثقيل وكامل الدّسم.

رغيف الخبز يجمع النّقيضين عند استحالته من جيب أحدهم، استراحات المحاربين فسحة لتبادل النّكات، وقائمة الاتّهام المشبعة بضحكات تتردّد صداها عن الآخر.

وما أن يُعلن النّفير لإحدى التّلال، الرّصاصة تجد مستقر لها، في جسد الآخر.

حالة هي، قاسمها المشترك أن الحكّام أو القادة أو الزّعماء، أم أصحاب الكراسي، تتعدّد النّعوت ومثلها الصّفات، يفركون يديهم فرحاً من حماة العروش هناك حيث أزيز الرّصاص والغبار الأسود وفوّهات المدافع، حيث بشر بهيئة أرقام تمّت برمجتهم ليكونوا وقوداً لصراع أكثر من فيه شاهدة توضع على قبر أحدهم.

تحت صفيح من التّوتياء، احتميت، خفت رائحة البارود … من الفائز؟ من الرّابح؟ الطّرفان يقولان أنا.

الصّعوبة الاعتراف بالهزيمة قد يكون صحيح، غير أن الصّحيح أكثر أنّ كلا الطّرفين خاسر في امتحان الإنسانيّة، فيما تدور على طاولة الزّعماء التّسويات والمقايضات والصّفقات وتُبرم المشاريع وتهنّدس الخطط على ركام من جماجم من يأخذون التّلال مرتعاً لهم.

قد يقول قائل: هم من ارتضوا لنفسهم أن يكونوا بيادق، أن يكونوا أدوات، وحتّى فاتورة تحرّر بنهاية المطاف على طاولة غداء من يُنعتون بالكبار.

ألهذه الدّرجة جهلة نحن، غافلون نحن، بسيطون نحن، كجنود على رقعة شطرنج، بلونيها الأسود والأبيض يحرّكوننا في أكثر من اتجاه، ونحن سائرون بصمتنا!

الموؤدة لماذا قتلت

فيما الوزير والملك محصّنان بأحصنة وفيلة وقلاع، هي في عرف الاستراتيجيّة فاعلة، حين ضخّ الدّماء فيها، وفي قاموس السّلاطين والملوك والزّعماء، ميّتة طالما هناك دماء يراهن عليها عبر تغييب العقل!

مرّة أخرى للصدفة البحتة، ودّع الحياة المرابطان على كلا التّلّتين، والشّاهدة لكليهما شهيد، وفي مصطلح الآخر قتيل، دموع الأمّهات لا تهم، فقط هي تشقّ أخدود على وجه نازفه، أكان أب أو أم أم أخ أو أخت، زوجة، حبيبة …

بخفّة هدهد سليمان، يُمسي المرابط في دفتر حسابات الكبار، رقم يراكم لغيره، يحتفون به في المنابر، فعلى جثّته تحفر كرسي هذا أو ذاك أكثر في هذا البلاط أو ذاك، معلنة اتخام الجيوب والخزائن، كيف لا والفاتورة تحرّر بدماء بشر، ذنبهم أنّهم نيّموا إلى يوم موعود، لن يروه أبداً …

فهل فهم الدّرس على بساطته …؟!

أنا لا أجزم … مخالفةً بذلك مبدأي في الحياة … أقلتُ حياة؟!

الموؤدة لماذا قتلت

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى