أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأالمقالات عامة

ما بين المثلية والفطرة … تجربة عمياء وركمجة بلا أقدام

فتون عبد الله

بين فترة وأخرى تطلّ علينا مذيعة في أحد البرامج التي تستضيف فيه فنانين لتسأل كلّ ضيف منهم، هل أنت مع المثليّة الجنسيّة؟

على اعتبار أن الأمر دارج هذه الأيّام، وقد يعبّر برأيها عن مدى انفتاح الإنسان ونضجه الثّقافي، ويصرّح إعلامي آخر على مواقع التّواصل الاجتماعي: “إنّ معارضي المثليّة همج رعاع…”، وتضجّ منابر المساجد، ومواعظ الكنائس بالتّنديد في كلّ ما يمسّ الفطرة الإنسانيّة.

بين كلّ هذا الصّخب أتساءل: لماذا ينبغي علينا دوماً كشرقيين أن نمتصّ تجارب الغرب كما هي، من دون دراستها أو محاولة تطويعها بما يناسب مجتمعاتنا؟ ثمّ ننقسم كعادتنا إلى فرقٍ مؤيدة وأخرى معارضة، وغيرها بينيّة أيّ بين الاثنين، ولا ننسى جزّ مصطلح المؤامرة في كلّ مرّة.

إنّ امتصاص تجارب الآخرين خاصّة في حالات انتشارها بشكلٍ محمومٍ ليس جديداً علينا، وهو ما يسمّى بركوب الموجة أو “الرّكمجة”، فالشّخص الذي يسارع في ركوب الموجة يحاول الظهور للنّاس وكأنّه يمتلك مشروعاً، لكنّه مملوك لمشاريع غيره، وتجاربهم، ثمّ إنّه من السهل أن تدّعي وأن تتقوّل وتتمنطق وتأخذ الكلام من هذا وذاك، وتصبح بنظر المغفّلين مثقفاً.

لنعد إلى المثليّة واختلاف الثّقافة بين مجتمعنا الشّرقي والمجتمعات الغربيّة.

قبل كلّ شيء في مجتمعنا الذي يعاني من غياب الثّقافة الجنسيّة، والتّربية السّليمة للأطفال، وسيادة منطق الاستغلال الجنسي والكبت، وتشكّل شبقيّات مضطربة داخل مخيّلة الطّفل بسبب التّربية الخاطئة والمبنيّة على العنف في كثير من الأحيان، كلّ هذا يسمح لنا بأخذ تجربة الغرب في دعمه للمثليّة الجنسيّة كما هي؟ أم يتطلّب الأمر علاج لكلّ أمراضنا ومشاكلنا أوّلاً؟

وهل المثلي الشّرقي، وخاصّة ابن المناطق النّائية يملك أدنى مقوّمات الثّقافة الجنسيّة والأخلاقيّة لكي أدعمه؟ هل المثلي الجنسي العربي يشبه المثلي الجنسي الغربي؟ الذي يعرف ما له وما عليه من حقوق وواجبات.

أيضاً هل الخلفيّة التّربويّة والظروف الحياتيّة التي مرّ بها المثلي الجنسي العربي هي نفسها التي مرّ بها الآخر؟

بحسب الإحصائيّات والدّراسات؛ المجتمعات التي يكثر فيها الكبت تنتشر فيها ظواهر غير أخلاقيّة مثل الـ”بيدوفيليا”، وهي موجودة وبكثرة في بلادنا وفي مناطق بعينها، ولنقل أنّ جزءاً لابأس به من المثليين الذّكور قد تعرّضوا لحوادث اغتصاب في صغرهم، وهذه التّجارب أدّت إلى تغيير الميل الجنسي عندهم، أليس الأجدر بنا مكافحة هذه الجرائم؟ في كلّ مرّة أقرأ مشاحناتٍ ومشاجرات على مواقع التّواصل الاجتماعي بين أبناء مجتمعي، أرى إقحام الجنس واستحضاره لاستعراض العنف وخاصّة المثليّة حاضراً بكلّ قوّة كتهديد لمخالفي الرّأي وبكلّ وقاحة، (سأعمل لك كذا وكذا) أو الـ”بيدوفيليا” (يمكن أكلت شعيبيّات بصغرك) …

ولم أرى من بين كلّ الشّعوب شعباً يُفاخر بمثل هذا الموضوع الذي يعدّ من الجرائم الإنسانيّة (اغتصاب الأطفال)! وبعد كلّ هذا يبقى المشايخ ورجال الدّين صامتين عنهم، وكأنّ حركتهم وكلامهم مبنيّان على تحدّي الآخرين لثوابتهم، بما يشعرك أنّ لا شيء يخوّفهم مثل ضياع هيبتهم.

لماذا ظاهرة الـ”بيدوفيليا” مسكوت عنها في بلادنا لدرجة أنّها كبرت واجتاحت مدن كاملة بعينها؟

ولماذا الثّقافة الجنسيّة غائبة عن أطفالنا لهذا الحدّ؟

 يقول أحدهم: “أتمنّى لو أن أحداً فسّر لي في مرحلةٍ ما من مراهقتي، أن الموضوع ليس كما كنت أعتقد”.

برأيي التّوعية والتّثقيف الجنسي هو الهدف الأساس الذي يجب أن يعمل عليه الإعلام، أمّا دعم المثليّة! فكلّ ما ينبغي علينا فعله إزاءها هو نبذ العنف، ومن كلّ الأطراف ثمّ تفصيلها وإجراء دراساتٍ على عيّناتٍ من مجتمعاتنا لنفهم أسبابها وطرائق التّعاطي معها، لا أخذها كما هي من الخارج بما لا يناسب واقعنا والتّباهي بأنّنا حضاريون ومثقفون، فكيف نركب الموجة ونحن بلا أقدام أصلاً، ألا نخاف من الغرق؟

آن الأوان للأخذ بزمام مبادراتنا الذّاتيّة، وحلّ مشكلاتنا بحسب الأوّلويّات من دون أخذ ردّ وصدّ، وحملات تزيد تقسيم المقسّم، وتظهر خوفنا من كلّ ما هو خارجي ممّا يزيد استقواء العالم علينا.

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى