أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأ

العلاقات على خشبة المسرح الإلكترونيّة

رقية الملحم

لقد غيّرت “السوشال ميديا” الطّريقة التي نشعر بها تجاه الحبّ، فكم عدد المرّات التي نرسل فيها رسائل نصيّة بدلاً من التّحدّث وجهاً لوجه مع شخصنا المقرّب؟ كم مرّة اكتفينا باستخدام “الإيموجي” بدلاً من التّعبير عن مشاعرنا؟

بات قضاء أغلب الوقت مع هواتفنا الذّكيّة حقيقةً لا يمكن إخفائها، والبعض أصبح مدمناً على توثيق حياته العاطفيّة، ومشاركتها مع الجميع من خلال صفحاته عبر مواقع التّواصل الاجتماعي.

ساهمت “الميديا” في تبديل المرجعيّة بين العالمين: الحقيقي والافتراضي؛ ليصبح الافتراضي هو المرجع الذي تُبنى وفقاً لقواعده أفعال المرء في واقعه الحقيقي، فتكون الخصوصيّة غموضاً يحاول المرء الدّفع به عن نفسه، من خلال عرض تفاصيل عن حياته على شبكات التّواصل، ويصبح غياب المرء وحضوره يتحدّدان بعدد السّاعات التي يكون متاحاً فيها.

العلاقات على خشبة المسّرح الإلكترونيّة

توثيق الرّومانسيّة

صديقي “حسن” يحبّ خطيبته حبّاً تُحسد عليه، لكنّه لا يقوم بالتفاعل مع منشوراتها “الفيسبوكيّة”، ولا حتّى التّعليق لها، أو النّشر على حسابها الشّخصي، يخبرني “حسن” أنّها طلبت منه التّفاعل مع آخر منشورٍ لها، لأنّها أصبحت أضحوكةً أمام صديقاتها، يرتشفن قصّتها مع فنجان قهوتهن، وحتّى قريباتها يسخرن منها، ويُشفقن عليها، معتقدين أنّها فتاة مسكينة مرتبطة بشاب لا يبادلها الحبّ.

يضيف “حسن”: “الحبّ عندما ينضج لا يعيش علانيّة، فهو عاطفة خاصّة، ويحتاج إلى الحميميّة والخصوصيّة، وفي هذه اللّحظات الخاصّة يتعلّم العشّاق التّسامح مع الغموض، والتّفاوض حول الخلافات”.

لكن أودّ مقارنة الأمر مع “جارتنا”، حيث تتحدّث الجارات في اجتماعاتهنّ الصّباحيّة عن صورها التّذكاريّة مع زوجها، فواحدة في “تلفريك” كسب، وأخرى عن الهدايا التي صوّرتها، ونشرتها مؤخراً على صفحتها في “فيس بوك”، مع أنّني لطالما سمعت صراخها، وهي تتألّم، وتتأذّى من ضّرب زوجها المُبرح، وذلك كونها تقطن في الطّابق السّفلي حيث أقيم.

تكمن المشكلة الأساسيّة في عصر الإنترنت، أنّ الجميع يجتهد في إظهار الحبّ أمام النّاس أكثر من اجتهاده في الحبّ نفسه، ويسعى الجميع ليبدو سعيداً، متناسين السّعادة الحقيقيّة مع الحبيب.

العلاقات على خشبة المسّرح الإلكترونيّة

علاقة متينة أم صورة مهتزّة

أجرت منصّة “ريتينغ” استطلاع رأي في مجموعةٍ “فيسبوكيّة”، حول استعراض العلاقات عبر الـ”سوشال ميديا”.

تقول “وعد”، 27 عاماً، عن مسألة مشاركة اللّحظات الحميميّة على “الإنترنت” التي انعكست سلباً على علاقتها بخطيبها السّابق، حيث توضح: “عرفت جيّداً أنّ ما ينشر على الفيسبوكي ليس حقيقيّاً أبداً، الهدف منه الاستعراض فقط، وهذا ما يثير غيرتنا عندما نجد أن هناك أناس سعيدة في حياتها ونحن لا”.

أضافت “وعد”: “في كلّ مرّة أرى فيها الهدايا التي يتلقينها صديقاتي من عرسانهنّ أشعر بالضيق لأنني لا أتلقى مثلها”.

اعترفت هذه الشّابة أنّها خُدعت بمظاهر الحبّ المنشورة على صفحات “الإنترنت”، وتقول: “كبرت المشاكل كثيراً بيني وبين خطيبي، فقد شعرت بأن هناك ما ينقصني، وأنّني قادرة أن أكون سعيدة مع شخصٍ آخر فقد خدعتني المظاهر وغشت بصيرتي، لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن ما كان يضايقني من صور ومنشورات كانت كلّها كاذبة”.

” خديجة “، 45 عام، مُدَرِسة، قالت: “التّعبير عن الحبّ في العلن أصبح موضة، وساعدتنا مواقع التّواصل الاجتماعي في ذلك، وجعلتنا نتسابق للكتابة عن الحبيب والمقارنة فيما بيننا والاستعراض”، ثمّ تضيف “خديجة” مقارنة أخرى: “فالزوجان اللذان ينشران صورةً سعيدةً، متبوعة بتعليق عاطفي، قد يبيتان ليلةً لا تخلو من المشاحنات، تاركان “اللايك”، و”الشير”، يأخذان مجراهما، وحين يصحوان من النّوم، لن يكتبا أنّهما اختلفا، وسيتركان النّاس في ظنٍّ أنهما الزّوجان المثاليّان”.

“جمال”، 33 عام، كان له رأي مختلف، حيث قال: “على العكس أشجّع هذه المنشورات، فهي تبثّ الشّعور الإيجابي، للطّرفين وللجمهور، بالإضافة إلى ما تمثّله من ذكرى تخلّد للزّوجين، أو ما مرّ به العشّاق من أوقات طيّبة، لكن يجب الاعتدال في ممارسة هذا السّلوك، حتى يبتعد الفعل عن الابتذال، واستفزاز مشاعر الآخرين”.

يرى “جورج”، 37 عام، أنّ الاعتماد على الشّبكات الاجتماعيّة يزداد، وعن هذا يشرح لنا: “كلّما خطت العلاقات الحميميّة خطوة إلى الوراء، فالمرء قد يقوم بعرض جزء من ذاته لينال إعجاب وتفضيل الجمهور، ذلك السّلوك الذي يدفع المرء أحياناً إلى استعراض شيء من حياته الخاصّة على “فيس بوك” ليقنع ذاته -والجمهور- بالصّورة التي يحبّ أن يكون عليها، كأن يكون عاطفيّاً أو رومانسيّاً يغبط المشاهدون شريكه عليه، وهو ما تساعد فيه المنصّات الإلكترونيّة”.

ترى “فتون”، 33 عاماً أنّ الشّخص الذي يبالغ في نشر أخباره العاطفيّة على الإنترنت قد يكون سعيداً في علاقته، ويريد التّعبير عن ذلك عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، أو قد يشعر بأنّ لديه شيء ما ليبرهنه لأقرانه.

بينما قالت “ريم”، 22 عاماً: “يميل الأفراد بشكل طبيعي للتّعبير عن الحبّ بالطّريقة التي يفضّلون تلقي الحبّ بها، وبما أنّنا في عصر التّكنولوجيا باتت الرّومانسيّة أمراً طبيعيّاً ينشر الأشخاص من خلالها عن علاقاتهم”.

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى