أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأمواهب واعدة

الشّباب في بلدي يبحثون عن فُسْحة

محمد ديب حاج صالح

عندما تسير في شوارع هذه البلاد، لن تحتاج إلى خبراء يفسّرون تعابير وجوه الشّباب، كلّ شيءٍ واضح للعيان. عيونٌ تبُرق ألماً ووجوهٌ خطّتها التّجاعيد مخفيّةً خلفها قصصاً وقصص.

لا داعي للاستفّاضة في الشّرح، معالم الحال واضحة، الوضع الاقتصادي في سورية “بالعناية المشدّدة”، يرافقه الوضع الاجتماعيّ في ذات الغرفة.

يُضطّر الشّباب اليوم تحمُّل أثقالٍ وأعباء، تقف كالعثرات في طريقهم نحو ما يَصبُون إليه، حيث تراهم منهمكين لتحصيل لقمةِ عيشٍ تسدّ الرّمق، ولا تكاد في بعض الحالات تقضي الحاجات والمتطلَّبات.

بين سوء حال المواصلات، والانقطاع المُتَّكرِّر للكهرباء، يصحبَهُ ضعف شّبكة الإنترنت، وتردِّي الوضع المادّي، ويتبعهُم تراجع الوضع التّعليمي في الجامعات عموماً من دون الحصر، تضيعُ الطّاقات وتتبدَّد الهمم عند (الطلبة الجامعيين)، فتمضي عليهم فصول الدّراسة، من دون تحقيق خبراتٍ تمكّنهم من الدّخول مستقبلاً إلى سوق العمل، حيث بات تحصيل (الخبرات العمليّة) يعتمد على ما تقدّمه المراكز التَّدريبيّة، وهذا ما يُضني طلاب الجامعات، كون الدورات والورشات الأكاديميّة والاحترافيّة باهظة الثّمن في أغلبها، يضاف إليه عبء تحصيل مستلزمات التّدريب أو العمل “لاب توب، انّترنت، كهرباء…”.

الشّباب

خلال الأيّام الماضية صادفت عدداً من الشّباب في أماكن مختلفة ضمن مدينة دمشق، كانت أحوالهم متشابهة، وأمنياتهم مسّاحة صغيرة من الرّاحة، يستطيعون مجاراة تقلّبات الظّروف الرّاهنة.

 إذ ألتقيتُ “أحمد”، 27 عاماً، خريج المعهد التقانيّ للحاسوب، بالقرب من منطقة ساحة المرجة، بدأ حديثه معي، متمنيّاً أن يحصل على (فسحة) يرتاح بها من ضوضاء التّفكير في كيفيّة تحصيل لقمّة العيش وتعزيز الخبرات المهنيّة، والتّأسيس لمراحل العمر القادمة، على الصّعيدين الشّخصيّ والمهنيّ.

“أحمد” يمتلك خبرة جيّدة في مجال برمجيّات الهواتف الذّكيّة، تصل مدّة عمله لعشرة ساعات، ويتقاضى أجراً لم يُفصح عنه، مؤكّداً أنّه لا يسدُّ احتياجاته كشاب.

على الرّغم من ساعات العمل الطّويلة والمُجهدة، يتمنّى أحمد، عند عودته لبيته أن يكمل عملاً من نوع آخر، إذ يرغب في الخضوع لورشات ودورات عبر الإنترنت لصقل خبراته، ليستطيع مواكبة كلّ تطوّر في هذا المجال، ولكن انقطاع الكهرباء الطّويل وضعف الإنترنت يحرمانه من ذلك.

الشّباب

بقلبٍ متحسّر ولسان يكاد يعجز عن نطق الكلام، يقول “أحمد”: “أحلامُنّا في هذا البلد، هو انتظار رسالة الغاز والمازوت أو السّكر والرز وعدّة ساعات من الكهرباء ومعها الماء لنسّتحمّ”، وخاتمُ حديثهِ: “الله يفرّج”.

“جعفر”، 24 عاماً، طالبٌ في السّنة الرّابعة من كليّة الإعلام – جامعة دمشق، لا يدخُل اللّيل عليه حتّى يعود بيته يتمايل الخُطّى من شدّة التّعب والإرهاق، على الرّغمّ من أنّه لم يَذكر طبيّعة عملين متتاليين يكسبُ منهم قوتَ يومه، فأفصح لي عن معاناته من انتّشار مرضٍ فطريّ في أسفل قدميه، نتيجة لبسه الحذاء لساعات طويلة، علاوةً عن تنفُّخِ أصابع يديه من شدّة البرّد، فعملهُ يرتكزُ على جولات ميدانيّة.

بعد يومٍ شاقّ يدخل “جعفر” غرفتهُ الواقعة في إحدى ضواحي دمشق، بغية متابعة دراسته، لأنّه يقدّم امتحاناته الفصليّة هذه الأيّام، يبحث فيها عن مخرج نورٍ ضمن جدرانها المطليّة بالأبيض، ولكن ظلمة اللّيل أرخت بظلالها حيث لا مفرّ منها، الكهرباء معدومة، البطاريّة والـ”ليدّات” في خبر كان.

ما كان يرجوه “جعفر” خلال السّنوات السّابقة، ومازال يتمنّاه، هو مسّاحة يلملم فيها أمانيه التي بعثرتها الظّروف الحاليّة، إذ يرغب في تحصيل بعض الخبرات المهنيّة العمليّة، كإتقان مهارة التّعليق الصّوتيّ، وتعلُّم مهارة صناعة التّقارير الميدانيّة، ولكن وقته المسّلوب للعمل، ووضعه الماديّ يحرمه من الخضوع لأيّة دورة تدريبيّة، باعتبار أنّ تكلفةً أقلّ واحدةٍ منها تعادل رواتبهُ لشهرٍ كامل.

الشّباب

لم يكن وضع “عمار”، 25 عاماً، خريج كليّة الاقتصاد، الذي يعمل “كاشير” في أحد مطاعم الشّاورما، أحسن حالاً، بعد حديثٍ قصيرٍ لا يتعدّى الدّقائِق، قال لي: “ما أتمنّاه اليوم هو السّفر إلى أيّ بلد من أجل إنقاذ ما تبقى من كلّ روحٍ ماتّت داخلي”.

أمّا “جابر”، 20 عام، رافقني في “سرفيس” (البرامكة_جديدة عرطوز)، بعدَ معاناةٍ طويلة حتّى استطّاع أن يستقلّه بدلاً عن سيارات الأجرة الأخرى الـ”تكسي”. 

خلال محاولة “جابر” الصّعود، سقطّت كُتبُهُ على الأرض، نتيجة التّزاحّم بين الركّاب، حملتُ الكُتب من الأرض كوني كنتُ خلفه، واستطعت الرّكوب بجانبه، فكانت أولى كلماته معي بعد إعجابي بتخصّصه الدّراسيّ (الهندسة المدنيّة): “إنجازي إنّي وفرت على حالي ألف وستمائة ليرة، هالمواصلات كرّهتنا الجامعة، ما عم فكّر بشي، على قد مو حلمي يصير الخط مليان سّرافيس، يومها ما رح أعطي فرحتي لحدا وضحكتي رح تعبّي الدّنيا”.

ما نعرفهُ أنّ طلاب كليتيّ الهندسة المدنيّة والمعماريّة، يمتلكون خيالاً واسعَاً، ليمكنهُم من نسجِ مخطّطّاتٍ عمرانيَّة، يخطّونها بأيديهم على الورق المُسنَد أساسّاً على مراسم خشبيّة، ولكن هذا الخيال لا يملأهُ سوى ضجيج البحث عن مأمن في الوصول إلى الجامعة من دون تأخيّر، والدّراسّة على ضوءٍ جيّد، وتأميّن مصاريف الجامعة المرتفعة، نتيجة ارتفاع أسعار مسّتلزماتها عموماً.

الشّباب

الشّباب السّوري في غالبيّته اليوم، تمضي سنوات عمره وهي تأكل من روحه وجسده، من دون أيّ تقدُّم أو إنجازٍ يحملُهُ لمستقبله القريب، فلا وقت لديّه للتّفكير، مصاعب الظّروف المعيشيّة تشغُل البال والوقت وتسّتنزف الطّاقات، حتى تصّل لوقتٍ لا تكادُ تقوى فيه على شيء.

ريتنغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى