أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأمواهب واعدة

الجمال مرض العصر

محمد دندشلي

لا نستطيع نكران أن الجمال مغرٍ، وأنّه يشكّلُ عاملاً مهمّاً في تكوين الشّخصيّة، والجميع ينجذب للأشخاص الجميلين، ويراهم ملفتين للنّظر، وقد كان الاهتمام بالذّات وإظهار الشّكل الخارجي بمظهرٍ جيّدٍ منذ وقتٍ بعيد؛ محطّ أنظار المجتمع، حتّى أنّه أصبح مرض العصر.

نلاحظ أيضاً حتّى في أفلام الكرتون والشّخصيّات البطلة فيها؛ أنّها تتمتع بمنظرٍ جميل، كما أنّ الشّرير يأخذ مظهر القبيح، وبتكرار هذه الصّورة النّمطيّة يترسّخ لدى المشاهد أنّ الشّخص الجميل يتمتّع بالسّعادة، والنّجاح، والعكس كذلك.

بماذا نقيس الجمال، وكيف اختلفت معاييره عبر العصور؟

كانت الأنثى عنصراً مهمّاً من عناصر الجمال الكوني، فتغزّل بها الشّعراء، ورسمها الفنّانين، ولا شكّ أنّ الجمال مفهوم نسبي، وكلٌّ يراه على طريقته الخاصّة، لكن هناك معايير عالميّة للجمال، وقد تبدّلت هذه المعايير بشكلٍ كبير من الماضي حتّى الآن، فمثلاً في مطلع القرن العشرين كان الجسد الطّويل، النّحيف، والوجه الشّاحب، مع القليل من مساحيق التّجميل، هو المعيار الدّارج آنذاك أمّا في خمسينات وستينات القرن الماضي فقد سيّطر جسد السّاعة الرّمليّة على الأمر، فبرزت نجمات السّينما مثل: “مارلين مونرو”، بساقين نحيفتين، ونهدين ممتلئتين، أمّا اليوم فأصبح الاهتمام بالشّكل، وإبراز التّفاصيل الصّغيرة، كالرّموش الكثيفة، الطويلة، والشّفاه المكتنزة، والشّعر الدّاكن، والعيون الملوّنة، والكثير من الأشياء التي باتت الشّغل الشّاغل لفتيات هذا العصر.

الجمال مرض العصر

هل أصبحنا نقدّس الجمال، ونضعه في أوّلويّاتنا عندما تقيّم الأشخاص؟!

الجواب المنطقي لا، فالجمال الدّاخلي، والشّخصيّة المتوهّجة، والمتحدّث الجيّد، وغيرها الكثير من الصّفات تجعل الشّخص مرغوب به أكثر، لكن في المقلب الآخر تؤكّد بعض الدّراسات؛ أنّ الأشخاص الجميلين يملكون فرصاً أكبر للحصول على عملٍ أو وظيفة، وأنّ لديهم الفرصة للدّخول بعلاقاتٍ عاطفيّةٍ أفضل، وكلّنا قرأنا قصّة الشّاب “كاميريون هيرين” الذي انتشرت صورته على “فيس بوك”، حيث قام بقتل أمٍّ وابنها في سباق غير قانوني، وكيف كانت الفتيات تتغزّل بجماله علناً، والطّلب بإلغاء قرار السّجن عنه، واستبدالهن به!

كيف أثّرت وسائل التّواصل بمفهوم الجمال؟

أصبحت وسائل التّواصل الاجتماعي جزءاً كبيراً من حياتنا، فأوّل شيءٍ نفعله عندما نستيقظ، نمسك بالجوّال، ونرى الرّسائل، ونتصفّح، ونُغرق بالعالم البديل، حيث صار كلّ منّا ينشر صوره الخاصّة على “فيس بوك”، و”انستغرام”، وأخذ هذا المنحى تطوّراً كبيراً إلى أنّ وصل لهوس المثاليّة، فنريد أن نحظى بالصّورة الأفضل، ونستخدم الـ”فلتر”، الذي يصفّي الوجه، والزّاوية التي يبدو فيها الوجه أجمل، وأثّر استخدام وسائل التّواصل كثيراً لدرجة أنّنا بتنا نرى الأجسام المثاليّة المنحوتة، كلّ يومٍ على الصّفحات، وتزرع فينا من دون أن ندري هوس الوصول إلى الكمال، حتّى أنّ دراساتٍ أثبتت أنّ نسبةً كبيرةً من النّاس تعاني من اضطراباتٍ شهيّةٍ، وفقدان وزنٍ بسبب التّعب في إيجاد المظهر الأفضل!

فإلى أين يتّجه مفهوم الجمال، وهل سنصل إلى وقتٍ لا نستطيع تميّيز الجمال الحقيقي فيه من المزيّف؟

الجمال مرض العصر

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى