أحدث المقالاتمواهب واعدة

اعتقال لحظة بيولوجيّة…

الحسناء عدره

انسلخُ عن نفسي المتعدّدة الشّاسعة، فما أنا إلا مَجُموع كُلّي لشخصيّاتٍ ًأَوْجَدَها المجتمع، وألصقها بي عنوةً وقهراً، غير أنني استقريت أخيراً على الأنا الخالقة، التي ابتكرتها بنفسي، لنفسي من دون إذعانٍ لأحد، تجتاحني حُمّى الرّغبة في تَخليد اللّحظة، وكأنّني أُصبتُ للتّو بلعنةِ الخلود المُلحّة، كيفَ لا؟ وأنا على وشكِ اقتراف فعل الخلَق الأوّل لي كامرأةٍ مُترعةٍ بالعطايا والَشَبق.

رحلتي شبه الإلهيّة ستبدأ، إِنَها الرّابعة فجراً، أًلِجُ غرفةً بيضاء، غارقة في البياض، جسدي المجلود بالرّغبة ممدّداً على سريرِ الألم، ستار أخضر برائحةِ كُحولٍ واخزة؛ ينتصبُ فو رأسي يحجبُ الرّؤية عمّا يحدثُ في الضّفةِ الأخرى من جسدي المنهوب، تَتحسّس المُمرضة ذراعي بحثاً عن وريدٍ حَيّ، لتجد ضالتها في شريانٍ متواري عن الأنظار، أشعُر بقشّعريرةٍ خفيفةٍ تداهم جسدي، وكَأَن جيشاً من النّمل قد شَنَ للتّو غزوته المباغتة على مكعّب ّسُكر، إِنه المخدّر! يَشقُ طريقه فينتشر الشّلل إلى نصفي السّفلي فيحتلّه بشّراهة، المخدّر يا له من اختراعٍ بَشريّ مُذّهل، المتجسّد بإبرة، حَيثّ تُحقن في الطبقة المغلّفة للعمود الفقري، على مساحةٍ سطحيّة أقرب للنّخاع الشّوكي، ِإذّ تمنع وصول الإشارة العصبيّة المسؤولة عن نقلِ الألم إلى المخ، يا لَهَا من حقنة ذات مفعول عَجَائبي! تمنحني الفرصة لأكونَ شاهدةً على رحلةِ الخَلق، والوجوديّة، من دون الشّعور بألمٍ مُبرح، بل تمدّني بغبطةٍ ممزوجةٍ بالرّهبة، بعد قليلٍ، اتحسّسُ أصابعي بفزعٍ لأتأكّد من أنها ما زالت تعمل، أردّد في سِرّي “من الجيّد أن حاسّة اللّمس في القسم العلوي من جسدي لا تُذّعن لسطوة مواد التّخدير في عمليّات الولادة، وذلك تحضيراً للمس طفلي”.

استقيلُ من وجودي الفيزيائي لبرهةٍ خاطفةٍ ثمّ أعود منتشيةً بنصر العودة، أرفضُ النّوم، فالنّوم هو الابن غير الشّرعي للموت، أمّا أنا فأنشد الخلود، كَم بحاجةٍ لِمعوَل حديدي لغرسِ هذه اللّحظات في أرضي الخصّبة خشية ارتكاب معصية الإهمال، أريدُ حفرَ هذه اللّحظة البيولوجيّة الاستثنائيّة في ذاكرة جسدي وروحي منعاً من أن تتسرّب إلى سّاقية النّسيان.

في هذه الأثناء، تقفُز إلى ذاكرتي، كيف اعتادت أجسادنا نحن النّساء أن تكون نهباً للاحتقار واللّذة معاً، وليس فعل الخلق، وذلك بفعل الوراثة الدّينيّة والاجتماعيّة، وكيف تكون أعضائنا الحميميّة محطّ شتيمةٍ في كلّ مشاجرةٍ ذكوريّةٍ؟! في هذه الأثناء يتناهى إلى سمعي صوت ذلك الشّيخ الملتحي، وهو يزّعق “جسد المرأة عورة، توقظ الشّهوات، وتقود للتهلكة والفتنة”، يا له من أبله معتوه شره، فكيفَ لعورة أن تنجبَ حياة، تُزهر، تُخلق من العدم؟

اسمعُ بُكائه، امسك بطفلي، وأخذه بين ذراعي، امتلئُ منه وفيه، أنتشي، اَتَشبّث به، وأَلوذُ بالفرار ثٌمّ أغيب…

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى