أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأ

مساحة وعي (10) .. ابنتك في سنّ المراهقة تُدخّن .. ماذا تفعل؟

د. مأمون علواني في حوار خاص مع د.فاطمة أحمد

ابنتك في سنّ المراهقة تُدخّن .. ماذا تفعل؟

حوار حول المفكّر فيه والمسكوت عنه مع د. مأمون علواني – الرّئيس التّنفيذي لشركة “ريتينغ برودكشن”.

 د. مأمون لنفترض جدلاً أنّك اكتشفت ابنتك، وهي في سنّ المراهقة، تدخّن، كيف ستكون ردّة فعلك؟ هل ستبدأ بالحديث معها فوراً بالنّصح أم ستوبّخها أم ماذا؟

سأحكي لكِ بإيجازٍ قصّة حصلت معي شخصيّاً، عندما كانت ابنتي صغيرة، وتبلغ من العمر ١٣ سنة، وكانت قد بدأت تظهر عليها علامات التّحوّل الهرموني، وتدخل في مرحلة المراهقة، فتحت باب خزانتها في إحدى المرّات، وإذ بي أتفاجأ بصورٍ لشبابٍ وسيمي الشّكل ملصوقةً على باب خزانتها، كانت الحالة غريبة بالنّسبة لي، لأنّنا معتادون في مجتمعاتنا أن يلصق الشّباب صور الفتيات في غرفهم وخزاناتهم، ولكنّ الحالة المعكوسة لم تكن مألوفة، وفي الواقع قد كان الاستغراب الأكبر عندي بعد مرور عدّة أيّام، ومجيء ابنتي إليّ تحمل بيدها صور الشّباب لتسألني، وهي تكاد تطير من الفرح: بابا صورة من أجمل هذا أم هذا؟ شعرت عندها بشعورٍ غريبٍ، وحاولت استيعابها، وأجبتها باختياري لإحدى الصّورتين؟ سألتني ابنتي: بابا لماذا أحببت صورة هذا الشّاب أكثر؟ قلتُ لها: لقد شعرتُ بجماله وحلاوة شكله، ولعلّه سيصبح في المستقبل رجلاً قادراً على تحمّل المسؤوليّة. هكذا أجبتها من غير تأنيب لها أو غضب عليها.

أعود الآن إلى سؤالك المهمّ جداً، ولاسيّما في هذا التّوقيت الصّعب جدّاً، فالمادّة التي تسمّى سيجارة كانت قليلة سابقاً، والحصول عليها صعب في زماننا، في حين تتوافر الآن بكلّ سهولة، وفي كلّ مكان. إذاً ماذا عليّ فعله في حال رأيت أو شممت أو شككت بتدخين ابنتي؟ ماذا سنفعل نحن الآباء والأمّهات تجاه هذا التّصرف؟ في الحقيقة هو سؤال غريب وعجيب بالنّسبة لي على الأقل. وسأقول انطلاقاً من نفسي وبناءً على تجربتي الخاصّة، إذ قمت بإعادة تحديث وتعيين “للجيغات” التي هي عندي من خلال السّفر والذّهاب والإياب واكتساب المعارف والخبرات المتنوّعة، ومع ذلك فإنّي لم أرفض التّدخين  انطلاقاً من رفضي لتدخين الفتاة، إذ من حقّها أن تجرّب شيئاً جديداً مثل الشّاب، وليكن هذا الأمر في بيت أهلها أفضل من أن تجرّبها خارج البيت، وأنتِ تعرفين أنّ المراهقة مرحلة حسّاسة يشعر من خلالها المراهقون بأنّهم أسياد العالم، ويحاولون إثبات ذواتهم أمام الأهل، كما ينظرون إلى أهلهم على أنّهم رجعيّون، ويملكون عقولاً متخلّفة من العصر القديم، وبالتّالي كيف علينا اجتياز هذه الحالة؟ قطعاً بالمنطق والاحتواء والاستماع إليهم وسؤالهم والحوار معهم مثلاً.

-ماذا فعلت يا بابا؟

– لا شيء ولكنّي جرّبت التّدخين!

– تجربين التّدخين وعمرك ١٤ أو١٥ سنة؟ كيف وجدتيها؟

– ليس فيه شيئاً مميّزاً، ولكنّي أحببت أن أجرّب.

– إذا حدثيني أكثر ما شعورك وموقفك الآن بعد التّجربة؟

ابنتك في سنّ المراهقة تُدخّن .. ماذا تفعل؟

إذاً ليست مهمّة الأب أو الأم هنا إعطاء النّصائح حول الامتناع عن التّدخين، والتّنظير على الأبناء بالحديث عن مساوئها ورائحتها… ودعيني أقول لك شيئاً: بالنّسبة لي الخوف الحقيقي ليس من السّيجارة، وإنّما الانتقال إلى مرحلة ما بعد السّيجارة، وإدمانها، وعدم المقدرة على تركها بعد تجربتها مع التّدخين. وهناك فرق شاسع بين التّجربة والإدمان، وأظنّ أنّ 80 إلى90٪ من الشّباب والصّبايا قد جرّبوا السّيجارة في حياتهم من هنا أو هناك في مراهقتهم. فلماذا لا أكون (الأب) على علمٍ بذلك، كي أكون قريباً من ابنتي وواعياً لفعلها، وأقدّم لها النّصح في الوقت المناسب، وفي حال كانت الفتاة تستحي من الأب ومصارحته بإمكان الأم أن تتدخّل وتقف إلى جانب الفتاة، وذلك بمساندة الأب أيضاً من أجل التّعاون معاً في التّقرّب من ابنتهما. وفي الغالب تكون الأم أقرب إلى الفتاة من الأب نظراً لهيبته ووقار مكانته. وقد توصي الفتاة أمّها غالباً بعدم إخبار الأب، ولكن في حال معرفة الأب هل سيقوم بتوبيخها؟ أنا عن نفسي لن أوبّخ ابنتي، ولن أصرخ أبداً في وجهها، بل سأتفهّمها وأحاول استذكار الرّوائع التي كانت يجب أن تتّخذ بحقّي عندما كنتُ يافعاً في عمر ابنتي، فالضّغط والإجبار والصّراخ سيولّد ردّة فعل عكسيّة بأن تفعل هذا الأمر نكاية بالأهل وتثبت لنفسها القوّة في مجابهة كلمة لا!

-لماذا يحتاج المراهقون من الأب والأم التّفهّم والمسامحة؟

نعم الأب والأم عليهما تفهّم الأبناء جيّداً ليس هذا فقط، بل عليهم أن يسامحوا ويحضنوا سلوكيّات أبنائهم وردود أفعالهم أيضاً.

وإن وقعت المشكلة أيّها الأب مع ابنك أو ابنتك، أيّاً كانت نوع هذه المشكلة، فتذكّر أنّه إنسان/ة.

فهو أشبه بالعصفور الذي يريد أن يحرّك جناحيه وينطلق من قفصه نحو الفضاء. وقد يتعثّر كثيراً في محاولته بالطّيران. وعندما تحدث مشكلة مع أبنائك يفترض بك أيّها الأب أن تقف وراءهم وتدعمهم وتساندهم، وتتحاور وتساير وتمزح معهم. لا أن يحدث العكس، لأنّ الفعل السّلبي سيولّد ردّة فعل أقوى!

إنّ فترة المراهقة فترة حسّاسة جدّاً، إذ يبتعد الأبناء عن أهلهم ويتّجهون نحو محبّة الأصدقاء أكثر ويلجؤون إليهم، وهنا لابدّ من الحذر من أصدقاء السّوء إذ تعلّم هذه الصّحبة كثير من المساوئ التي لا تنحصر فقط في التّدخين، بل بأفعال خطيرة وضارّة قد لا تتوقّف كسيلان النّهر الجارف، وإن توقّفت فستكون نتيجتها الخيبة والخذلان، وقد يحوّل هذا التّوقّف المراهقين إلى أن يكونوا عدوانيين في سلوكيّاتهم، ومنحرفين للأسف الشّديد في الأزقّة والشّوارع.  ولا تنسِ أنّ هذا العقل الذي رزقنا اللَّهُ به هو الذي يميّزنا عن البهائم والحيوانات، إذ لا يوجد حصان أو فراشة تدخّن، إنّه سلوك قائم على حبّ التّجربة والمغامرة عند الإنسان لامتلاكه العقل.

ابنتك في سنّ المراهقة تُدخّن .. ماذا تفعل؟

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى