أحدث المقالاتأهم المقالاتإقرأ

أنا رهينة القراءة … غريبة عن البشر … كيف النّجاة؟

د. فاطمة أحمد

لا شكّ في أنّ المبالغة والإسراف في كلّ المواقف تؤدّي إلى نتائج عكسيّة وغير مُرضية، وقد تثير الشّفقة والتّعاطف في بعض الأحيان، ولكن ماذا لو كانت المسألة متعلّقة بإدمان القراءة؟ هل فعلاً الذين بالغوا في قراءة الكتب يستحقّون الشّفقة؟

قد يرى السّواد الأعظم من النّاس أنّ هذا السّؤال يستدعي الضّحك، فكيف يكون عاشق الكتب مثيراً للشّفقة، وهو الذي يُنظر إليه نظرة إعجاب واحترام من قبل المتعلّم وغير المتعلّم؟

عندما وصلتني رسالة من صديقتي بثّت في نفسي القلق، إذ قالت لي: “أنا رهينة القراءة، غريبة عن البشر.. فكيف النّجاة؟!!” إنّها ليست دعابة ولا أكذوبة العام الجديد ولا شكلاً من أشكال الرّفاهيّة، ولاسيّما بعد ما أمسكتُ جهازي المحمول متّصلة بها للاستفسار عن السّبب الذي دفعها إلى طلب النّجدة بمثل هذه الطّريقة وبعد الأخذ والرّد فهمتُ القصّة كاملةً.

أنا رهينة القراءة ... غريبة عن البشر ... كيف النّجاة؟

متلازمة من نوع مختلف

لا تكون المتلازمة دائماً اضطراباً عقليّاً أو جسديّاً فقد تكون اضطّراباً نفسيّاً أيضاً، وهذا ما جرى فعليّاً مع صديقتي. إذ لم تعد تحتمل الاستماع لفترات طويلة وساعات مديدة إلى من حولها كي تهتدي إلى مغزى جيّد من أحاديثهم السّقيمة على حدّ قولها. وما عادت أيضاً تجد السّعادة مع بنات عصرها اللواتي يلاحقن آخر صيحات “الفاشن” وأحدث الأغاني الحديثة الصّاخبة، كما أنّها فقدت الرّغبة في النّقاش والجدال مع أحدهم إن اختلف معها في الرّأي، تكتفي بالصّمت تجاه كلّ من يتعنّت بقوله ويتمسّك بموقفه! لقد وقعت في أزمة كبرى إذ تقدّم الكتب لها خلاصة سنوات طويلة من تجربة كلّ كاتب وعصارة فكره وإخفاقاته ونجاحاته. وعندما تخرج صديقتي من عالم الكتب إلى الحياة الواقعيّة تتفاجأ بالواقع، ما عاد يعجبها هذا الواقع المتناقض وغير الصّادق، أصبحت حسب قولها تتعالى على ما فيه من زيف وادعاءات وسفائف لا متناهية وتضطّر مجبرة وكارهة أن تمضي الكثير من الوقت حتى تبحث عن جملة مفيدة، وتهتدي إلى موضوع مشوّق ومنظّم ومنطقي.

وليت معاناتها تتوقف عند هذا الحدّ، فكثير من الأحيان ينتابها التّردّد، إذ تعيد النّظر مرّات عديدة في كلّ ما تنطق به في الحوارات والمناقشات كي تضاهي رصانة الكتب والمؤلّفات التي حبست نفسها فيها. إنّ نماذج من أمثال صديقتي قد وجدوا في الكتب مناجم وفيرة من الحكم المقدّمة على أطباق من ذهب، وفي الوقت ذاته وجدوا فيها أيضاً كلّ أشكال الاغتراب عن عالم البشر الواقعي المراوغ وغير الآمن.

أنا رهينة القراءة ... غريبة عن البشر ... كيف النّجاة؟

“ما الحلّ إذاً؟” سألتني صديقتي بحسرة. أجبتها بإيجاز مفيد ويسير: لا تغني الكتب عن تجارب الحياة، ولا تغني التّجارب عن الكتب، كلاهما مكمّلان لبعضهما كي نتمكّن من إمساك دفّة الحياة بلياقة الشّجعان. والحكمة تكون في أن تتعلّمي منهما الضّبط والدّقة نظريّاً وتطبيقيّاً عندها ستتوسّع لديكِ دائرة الرؤية أكثر، وسيزداد عندكِ التقبّل والاحتضان لمن حولكِ، وستتكشّف أمامكِ معاني الجمال أكثر من المآسي والعذاب، وذلك لأنّ البصيرة عندكِ تنبّهت وقوّة الوعي نضجت. وحسبك من تجارب الأجداد والأسلاف خير مثال وأفضل قدوة.

أنهيتُ حديثي مع صديقتي وأنا أسأل نفسي: هل هي على صواب أم خطأ؟ وهل كنتُ أواسيها بالنّصح أم أواسي نفسي؟!

هامش: لا علاقة لما كُتب هنا بأيّة دعوة إلى هجر القراءة أو الإغراق في العلاقات الاجتماعيّة.

ريتينغ برودكشن

Amer Fouad Amer

صحفي مستقل / القسم الثقافي والدرامي النقدي مقدم ومعد برامج
زر الذهاب إلى الأعلى